ج / 5 ص -22- وَكَثِيرُونَ مِنْ الأَصْحَابِ عَلى أَنَّهُنَّ لسْنَ مِنْ نَفْسِ الخُطْبَةِ، بَل مُقَدِّمَةٌ لهَا، قَال البَنْدَنِيجِيُّ: يُكَبِّرُ قَبْل الأُولى تِسْعَ تَكْبِيرَاتٍ وَقَبْل الثَّانِيَةِ سَبْعًا، قَال الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ: هُوَ ظَاهِرُ نَصِّ الشَّافِعِيِّ، وَلا يُغْتَرُّ بِقَوْل المُصَنِّفِ وَجَمَاعَةٍ: يَسْتَفْتِحُ الأُولى بِتِسْعِ تَكْبِيرَاتٍ، فَإِنَّ كَلامَهُمْ مُتَأَوِّلٌ عَلى أَنَّ مَعْنَاهُ يَفْتَتِحُ الكَلامَ قَبْل الخُطْبَةِ بِهَذِهِ التَّكْبِيرَاتِ، لأَنَّ افْتِتَاحَ الشَّيْءِ قَدْ يَكُونُ بِبَعْضِ مُقَدِّمَاتِهِ التِي ليْسَتْ مِنْ نَفْسِهِ، فَاحْفَظْ هَذَا فَإِنَّهُ مُهِمٌّ خَفِيٌّ، قَال الشَّافِعِيُّ وَالأَصْحَابُ: فَإِنْ كَانَ فِي عِيدِ الفِطْرِ اُسْتُحِبَّ للخَطِيبِ تَعْليمُهُمْ أَحْكَامَ صَدَقَةِ الفِطْرِ، وَفِي الأَضْحَى أَحْكَامَ الأُضْحِيَّةِ، وَيُبَيِّنُهَا بَيَانًا وَاضِحًا يَفْهَمُونَهُ.
وَيُسْتَحَبُّ للنَّاسِ اسْتِمَاعُ الخُطْبَةِ، وَليْسَتْ الخُطْبَةُ وَلا اسْتِمَاعُهَا شَرْطًا لصِحَّةِ صَلاةِ العِيدِ، لكِنْ قَال الشَّافِعِيُّ: لوْ تَرَكَ اسْتِمَاعَ خُطْبَةِ العِيدِ أَوْ الكُسُوفِ أَوْ الاسْتِسْقَاءِ أَوْ خُطَبَ الحَجِّ، أَوْ تَكَلمَ فِيهَا أَوْ انْصَرَفَ وَتَرَكَهَا، كَرِهْته وَلا إعَادَةَ عَليْهِ وَلوْ دَخَل إنْسَانٌ وَالإِمَامُ يَخْطُبُ للعِيدِ، فَإِنْ كَانَ فِي المُصَلى جَلسَ وَاسْتَمَعَ الخُطْبَةَ، وَلمْ يُصَل التَّحِيَّةَ، ثُمَّ إذَا فَرَغَ الإِمَامُ فَلهُ الخِيَارُ إنْ شَاءَ صَلى العِيدَ فِي الصَّحْرَاءِ، وَإِنْ شَاءَ فِي بَيْتِهِ أَوْ غَيْرِهِ، هَكَذَا قَطَعَ بِهِ الجُمْهُورُ، وَنَقَلوا الاتِّفَاقَ عَليْهِ، وَقَال البَنْدَنِيجِيُّ عَنْ نَصِّهِ فِي المُخْتَصَرِ قَال: وَنَصَّ فِي البُوَيْطِيِّ أَنَّهُ يُصَلي العِيدَ قَبْل أَنْ يَدْنُوَ مِنْ المُصَلى، ثُمَّ يَحْضُرُ وَيَسْتَمِعُ الخُطْبَةَ، وَالمَشْهُورُ الأَوَّل، فَأَمَّا إنْ كَانَ فِي المَسْجِدِ فَوَجْهَانِ مَشْهُورَانِ ذَكَرَ المُصَنِّفُ دَليلهُمَا أصحهما: عِنْدَ جُمْهُورِ الأَصْحَابِ يُصَلي العِيدَ، وَتَنْدَرِجُ التَّحِيَّةُ فِيهِ، وَبِهَذَا قَال أَبُو إِسْحَاقَ المَرْوَزِيُّ، وَمِمَّنْ صَحَّحَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ، وَصَاحِبُ الحَاوِي وَالقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي المُجَرَّدِ وَالدَّارِمِيُّ وَالبَنْدَنِيجِيّ وَالمَحَامِليُّ وَالبَغَوِيُّ وَغَيْرُهُمْ والثاني: قَالهُ ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ يُصَلي التَّحِيَّةَ وَيُؤَخِّرُ صَلاةَ العِيدِ، وَبِهَذَا قَطَعَ سُليْمٌ الرَّازِيّ فِي الكِفَايَةِ، وَصَحَّحَهُ صَاحِبُ البَيَانِ.
وَهَذَا الخِلافُ إنَّمَا هُوَ فِي الأَفْضَل، هَل يُصَلي التَّحِيَّةَ؟ أَمْ العِيدَ؟ وَلا خِلافَ أَنَّهُ مَأْمُورٌ بِأَحَدِهِمَا؛ لأَنَّ المَسْجِدَ لا يُجْلسُ فِيهِ إلا بَعْدَ صَلاةٍ، فَإِنْ صَلى التَّحِيَّةَ - قَال أَبُو إِسْحَاقَ المَرْوَزِيُّ وَالقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَصَاحِبُ الشَّامِل وَسَائِرُ الأَصْحَابِ: فَالمُسْتَحَبُّ أَنْ يُصَليَ العِيدَ بَعْدَ فَرَاغِ الإِمَامِ فِي المَسْجِدِ، وَلا يُؤَخِّرُهَا إلى بَيْتِهِ، بِخِلافِ مَا إذَا أَدْرَكَ الإِمَامَ بِالمُصَلى فَإِنَّهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يُصَليَ العِيدَ فِي المُصَلى بَعْدَ فَرَاغِ الإِمَامِ، وَبَيْنَ أَنْ يَرْجِعَ إلى بَيْتِهِ يُصَلي، نَصَّ عَليْهِ الشَّافِعِيُّ.
قَالوا: وَالفَرْقُ أَنَّ المُصَلى لا مَزِيَّةَ لهُ عَلى بَيْتِهِ، وَأَمَّا المَسْجِدُ فَهُوَ أَشْرَفُ البِقَاعِ، فَكَانَتْ صَلاتُهُ فِيهِ أَفْضَل مِنْ بَيْتِهِ، قَال صَاحِبُ الشَّامِل وَغَيْرُهُ: وَيَخَافُ سَائِرَ النَّوَافِل حَيْثُ قُلنَا: فِعْلهَا فِي البَيْتِ أَفْضَل؛ لأَنَّ هَذِهِ الصَّلاةَ تُسَنُّ لهَا الجَمَاعَةُ، فَكَانَ فِعْلهَا فِي المَسْجِدِ أَوْلى كَالفَرَائِضِ بِخِلافِ المُصَلى فَإِنَّمَا اسْتَحْبَبْنَاهَا فِيهِ للإِمَامِ لتَكْثُرَ الجَمَاعَةُ وَذَلكَ المَعْنَى مَفْقُودٌ فِي حَقِّ المُنْفَرِدِ، وَهَذَا كُلهُ تَفْرِيعٌ عَلى المَذْهَبِ وَهُوَ صِحَّةُ صَلاةِ العِيدِ للمُنْفَرِدِ وَفِيهِ خِلافٌ ذَكَرَهُ المُصَنِّفُ بَعْدَ هَذَا وَاَللهُ أَعْلمُ.
فرع: إذَا فَرَغَ الإِمَامُ مِنْ الصَّلاةِ وَالخُطْبَةِ، ثُمَّ عَلمَ أَنَّ قَوْمًا فَاتَهُمْ سَمَاعُ الخُطْبَةِ اُسْتُحِبَّ أَنْ يُعِيدَ لهُمْ الخُطْبَةَ، سَوَاءٌ كَانُوا رِجَالًا أَمْ نِسَاءً، وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِهِ مِنْ أَصْحَابِنَا البَنْدَنِيجِيُّ وَالمُتَوَلي، وَاحْتَجُّوا