ج / 1 ص -34- وَالْكَرَابِيسِيُّ.
ثُمَّ خَرَجَ إلَى مِصْرَ سَنَةَ تِسْعٍ وَتِسْعِينَ، وَمِائَةٍ. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى: قَدِمَ عَلَيْنَا الشَّافِعِيُّ مِصْرَ سَنَةَ تِسْعٍ وَتِسْعِينَ وَمِائَةٍ، وَقَالَ الرَّبِيعُ: سَنَةَ مِائَتَيْنِ، وَلَعَلَّهُ قَدِمَ فِي آخِرِ سَنَةِ تِسْعٍ جَمْعًا بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ، وَصَنَّفَ كُتُبَهُ الْجَدِيدَةَ كُلَّهَا بِمِصْرَ، وَسَارَ ذِكْرُهُ فِي الْبُلْدَانِ، وَقَصَدَهُ النَّاسُ مِنْ الشَّامِ، وَالْعِرَاقِ، وَالْيَمَنِ، وَسَائِرِ النَّوَاحِي لِلْأَخْذِ عَنْهُ، وَسَمَاعِ كُتُبِهِ الْجَدِيدَةِ،، وَأَخْذِهَا عَنْهُ، وَسَادَ أَهْلَ مِصْرَ، وَغَيْرَهُمْ، وَابْتَكَرَ كُتُبًا لَمْ يُسْبَقْ إلَيْهَا، مِنْهَا أُصُولُ الْفِقْهِ، وَمِنْهَا كِتَابُ الْقَسَامَةِ، وَكِتَابُ الْجِزْيَةِ، وَقِتَالُ أَهْلِ الْبَغْيِ، وَغَيْرُهَا.
قَالَ الْإِمَامُ أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ الرَّازِيّ فِي كِتَابِهِ"مناقب الشافعي": سَمِعْتُ أَبَا عَمْرٍو أَحْمَدَ بْنَ عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيَّ قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ حَمْدَانَ بْنِ سُفْيَانَ الطَّرَائِفِيَّ الْبَغْدَادِيَّ يَقُولُ: حَضَرْتُ الرَّبِيعَ بْنَ سُلَيْمَانَ يَوْمًا، وَقَدْ حَطَّ عَلَى بَابِ دَارِهِ سَبْعُمِائَةِ رَاحِلَةٍ فِي سَمَاعِ كُتُبِ الشَّافِعِيِّ رحمه الله وَرَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
فصل: فِي تَلْخِيصِ جُمْلَةٍ مِنْ حَالِ الشَّافِعِيِّ رضي الله عنه .
اعْلَمْ أَنَّهُ كَانَ مِنْ أَنْوَاعِ الْمَحَاسِنِ بِالْمَقَامِ الْأَعْلَى، وَالْمَحَلِّ الْأَسْنَى، لِمَا جَمَعَهُ اللَّهُ الْكَرِيمُ لَهُ مِنْ الْخَيْرَاتِ، وَوَفَّقَهُ لَهُ مِنْ جَمِيلِ الصِّفَاتِ، وَسَهَّلَهُ عَلَيْهِ مِنْ أَنْوَاعِ الْمَكْرُمَاتِ. فَمِنْ ذَلِكَ شَرَفُ النَّسَبِ الطَّاهِرِ، وَالْعُنْصُرِ الْبَاهِرِ، وَاجْتِمَاعِهِ هُوَ، وَرَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي النَّسَبِ، وَذَلِكَ غَايَةُ الْفَضْلِ، وَنِهَايَةُ الْحَسَبِ، وَمِنْ ذَلِكَ شَرَفُ الْمَوْلِدِ، وَالْمَنْشَأِ، فَإِنَّهُ وُلِدَ بِالْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ، وَنَشَأَ بِمَكَّةَ، وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ جَاءَ بَعْدَ أَنْ مُهِّدَتْ الْكُتُبُ، وَصُنِّفَتْ، وَقُرِّرَتْ الْأَحْكَامُ، وَنُقِّحَتْ. فَنَظَرَ فِي مَذَاهِبِ الْمُتَقَدِّمِينَ، وَأَخَذَ عَنْ الْأَئِمَّةِ الْمُبْرَزِينَ، وَنَاظَرَ الْحُذَّاقَ الْمُتْقِنِينَ، فَنَظَرَ مَذَاهِبَهُمْ، وَسَبَرَهَا، وَتَحَقَّقَهَا، وَخَبَرَهَا، فَلَخَّصَ مِنْهَا طَرِيقَةً جَامِعَةً لِلْكِتَابِ،