ج / 1 ص -33- وَنَاظَرَ مُحَمَّدَ بْنَ الْحَسَنِ، وَغَيْرَهُ، وَنَشَرَ عِلْمَ الْحَدِيثِ، وَمَذْهَبَ أَهْلِهِ، وَنَصَرَ السُّنَّةَ، وَشَاعَ ذِكْرُهُ، وَفَضْلُهُ، وَطَلَبَ مِنْهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ إمَامُ أَهْلِ الْحَدِيثِ فِي عَصْرِهِ أَنْ يُصَنِّفَ كِتَابًا فِي أُصُولِ الْفِقْهِ فَصَنَّفَ كِتَابَ الرِّسَالَةِ، وَهُوَ أَوَّلُ كِتَابٍ صُنِّفَ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ، وَكَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ يُعْجَبَانِ بِهِ، وَكَانَ الْقَطَّانُ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ يَدْعُوَانِ لِلشَّافِعِيِّ فِي صَلَاتِهِمَا. وَأَجْمَعَ النَّاسُ عَلَى اسْتِحْسَانِ رِسَالَتِهِ، وَأَقْوَالُهُمْ فِي ذَلِكَ مَشْهُورَةٌ، وَقَالَ الْمُزَنِيّ: قَرَأْتُ الرِّسَالَةَ خَمْسَمِائِةِ مَرَّةٍ مَا مِنْ مَرَّةٍ إلَّا وَاسْتَفَدْتُ مِنْهَا فَائِدَةً جَدِيدَةً، وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ قَالَ: أَنَا أَنْظُرُ فِي الرِّسَالَةِ مِنْ خَمْسِينَ سَنَةٍ، مَا أَعْلَمُ أَنِّي نَظَرْتُ فِيهَا مَرَّةً إلَّا، وَاسْتَفَدْتُ شَيْئًا لَمْ أَكُنْ عَرَفْتُهُ.
وَاشْتَهَرَتْ جَلَالَةُ الشَّافِعِيِّ رحمه الله فِي الْعِرَاقِ، وَسَارَ ذِكْرُهُ فِي الْآفَاقِ، وَأَذْعَنَ بِفَضْلِهِ الْمُوَافِقُونَ، وَالْمُخَالِفُونَ، وَاعْتَرَفَ بِذَلِكَ الْعُلَمَاءُ أَجْمَعُونَ، وَعَظُمَتْ عِنْدَ الْخُلَفَاءِ، وَوُلَاةِ الْأُمُورِ مَرْتَبَتُهُ، وَاسْتَقَرَّتْ عِنْدَهُمْ جَلَالَتُهُ، وَإِمَامَتُهُ، وَظَهَرَ مِنْ فَضْلِهِ فِي مُنَاظَرَاتِهِ أَهْلَ الْعِرَاقِ، وَغَيْرَهُمْ مَا لَمْ يَظْهَرْ لِغَيْرِهِ، وَأَظْهَرَ مِنْ بَيَانِ الْقَوَاعِدِ، وَمُهِمَّاتِ الْأُصُولِ مَا لَا يُعْرَفُ لِسِوَاهُ، وَامْتُحِنَ فِي مَوَاطِنَ بِمَا لَا يُحْصَى مِنْ الْمَسَائِلِ، فَكَانَ جَوَابُهُ فِيهَا مِنْ الصَّوَابِ، وَالسَّدَادِ بِالْمَحِلِّ الْأَعْلَى، وَالْمَقَامِ الْأَسْمَى، وَعَكَفَ عَلَيْهِ لِلِاسْتِفَادَةِ مِنْهُ الصِّغَارُ، وَالْكِبَارُ، وَالْأَئِمَّةُ، وَالْأَخْيَارُ، مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ، وَالْفِقْهِ، وَغَيْرِهِمْ، وَرَجَعَ كَثِيرُونَ مِنْهُمْ عَنْ مَذَاهِبَ كَانُوا عَلَيْهَا إلَى مَذْهَبِهِ، وَتَمَسَّكُوا بِطَرِيقَتِهِ، كَأَبِي ثَوْرٍ، وَخَلَائِقَ لَا يُحْصَوْنَ، وَتَرَكَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ الْأَخْذَ عَنْ شُيُوخِهِمْ، وَكِبَارِ الْأَئِمَّةِ، لِانْقِطَاعِهِمْ إلَى الشَّافِعِيِّ لَمَّا رَأَوْا عِنْدَهُ مَا لَا يَجِدُونَهُ عِنْدَ غَيْرِهِ، وَبَارَكَ اللَّهُ الْكَرِيمُ لَهُ، وَلَهُمْ فِي تِلْكَ الْعُلُومِ الْبَاهِرَةِ، وَالْمَحَاسِنِ الْمُتَظَاهِرَةِ، وَالْخَيْرَاتِ الْمُتَكَاثِرَةِ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ عَلَى ذَلِكَ، وَعَلَى سَائِرِ نِعَمِهِ الَّتِي لَا تُحْصَى.
وَصَنَّفَ فِي الْعِرَاقِ كِتَابَهُ الْقَدِيمِ، وَيُسَمَّى كِتَابَ الْحُجَّةِ، وَيَرْوِيهِ عَنْهُ أَرْبَعَةٌ مِنْ جُلَّةِ أَصْحَابِهِ، وَهُمْ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ،، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَالزَّعْفَرَانِيّ،،