فهرس الكتاب

الصفحة 1579 من 4102

ج / 4 ص -293- وأَمَّا أَحْكَامُ الْفَصْلِ: فَفِيهِ مَسَائِلُ: إحداها: يُسْتَحَبُّ الدُّنُوُّ مِنْ الْإِمَامِ بِالْإِجْمَاعِ لِتَحْصِيلِ فَضِيلَةِ التَّقَدُّمِ فِي الصُّفُوفِ وَاسْتِمَاعِ الْخُطْبَةِ مُحَقِّقًا.

الثانية: يُنْهَى الدَّاخِلُ إلَى الْمَسْجِدِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَغَيْرِهِ عَنْ تَخَطِّي رِقَابَ النَّاسِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ مَكْرُوهٌ كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ لَا حَرَامٌ، فَإِنْ كَانَ إمَامًا، وَلَمْ يَجِدْ طَرِيقًا إلَى الْمِنْبَرِ وَالْمِحْرَابِ إلَّا بِالتَّخَطِّي لَمْ يُكْرَهْ؛ لِأَنَّهُ ضَرُورَةٌ نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ كَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ إمَامٍ وَرَأَى فُرْجَةً قُدَّامَهُمْ، لَا يَصِلُهَا إلَّا بِالتَّخَطِّي قَالَ الْأَصْحَابُ: لَمْ يُكْرَهْ التَّخَطِّي؛ لِأَنَّ الْجَالِسِينَ وَرَاءَهَا مُفَرِّطُونَ بِتَرْكِهَا، وَسَوَاءٌ وَجَدَ غَيْرَهَا أَمْ لَا وَسَوَاءٌ كَانَتْ قَرِيبَةً أَمْ بَعِيدَةً لَكِنْ يُسْتَحَبُّ إنْ كَانَ لَهُ مَوْضِعٌ غَيْرُهَا أَنْ لَا يَتَخَطَّى، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَوْضِعٌ، وَكَانَتْ قَرِيبَةً بِحَيْثُ لَا يَتَخَطَّى أَكْثَرَ مِنْ رَجُلَيْنِ وَنَحْوِهِمَا دَخَلَهَا، وَإِنْ كَانَتْ بَعِيدَةً وَرَجَا أَنَّهُمْ يَتَقَدَّمُونَ إلَيْهَا إذَا أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَقْعُدَ مَوْضِعَهُ وَلَا يَتَخَطَّى، وَإِلَّا فَلْيَتَخَطَّ.

فرع: فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي التَّخَطِّي

قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ مَذْهَبَنَا أَنَّهُ مَكْرُوهٌ إلَّا أَنْ يَكُونَ قُدَّامَهُمْ فُرْجَةٌ لَا يَصِلُهَا إلَّا بِالتَّخَطِّي فَلَا يُكْرَهُ حِينَئِذٍ، وَبِهَذَا قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَآخَرُونَ. وَحَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ كَرَاهَتَهُ مُطْلَقًا عَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَعَطَاءٍ وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَعَنْ مَالِكٍ كَرَاهَتَهُ إذَا جَلَسَ الْإِمَامُ عَلَى الْمِنْبَرِ. وَلَا بَأْسَ بِهِ قَبْلَهُ. وَقَالَ قَتَادَةُ: يَتَخَطَّاهُمْ إلَى مَجْلِسِهِ وَعَنْ أَبِي نَصْرٍ جَوَازُ ذَلِكَ بِإِذْنِهِمْ، قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: لَا يَجُوزُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ عِنْدِي. لِأَنَّ الْأَذَى يَحْرُمُ قَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ. وَهَذَا أَذًى كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ. قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم لِمَنْ يَرَاهُ يَتَخَطَّى:"اجْلِسْ فَقَدْ آذَيْتَ".

الثالثة: قَالَ أَصْحَابُنَا: لَا يَجُوزُ أَنْ يُقِيمَ الدَّاخِلُ رَجُلًا مِنْ مَوْضِعِهِ؛ لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ. وَسَوَاءٌ فِي هَذَا الْمَسْجِدُ وَسَائِرُ الْمَوَاضِعِ الْمُبَاحَةِ الَّتِي يَخْتَصُّ بِهَا السَّابِقُ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَصَاحِبُ الشَّامِلِ: وَيَجُوزُ إقَامَتُهُ فِي ثَلَاثِ صُوَرٍ، وَهِيَ أَنْ يَقْعُدَ فِي مَوْضِعِ الْإِمَامِ أَوْ طَرِيقِ النَّاسِ، وَيَمْنَعَهُمْ الِاجْتِيَازَ، أَوْ بَيْنَ يَدَيْ الصَّفِّ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ، قَالَ فِي الشَّامِلِ، بِشَرْطِ أَنْ يَضِيقَ الْمَوْضِعُ عَلَى النَّاسِ، فَإِنْ اتَّسَعَ تَنَحَّوْا عَنْهُ يَمِينًا وَشِمَالًا وَلَا يُنَحُّوهُ. أَمَّا إذَا قَامَ الْجَالِسُ بِاخْتِيَارِهِ وَأَجْلَسَ غَيْرَهُ فَلَا كَرَاهَةَ فِي جُلُوسِ الدَّاخِلِ، وَأَمَّا الْجَالِسُ فَإِنْ انْتَقَلَ إلَى أَقْرَبِ شَيْءٍ إلَى الْإِمَامِ أَوْ مِثْلِهِ لَمْ يُكْرَهْ، وَإِنْ انْتَقَلَ إلَى أَبْعَدَ مِنْهُ كُرِهَ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ، قَالَ الْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُ: وَدَلِيلُ كَرَاهَتِهِ أَنَّهُ آثَرَ بِالْقُرْبَةِ وَهَذَا تَصْرِيحٌ مِنْهُمْ بِأَنَّ الْإِيثَارَ بِالْقُرْبَةِ مَكْرُوهٌ. وأما: قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ} (الحشر: من الآية9) فَالْمُرَادُ بِهِ فِي حُظُوظِ النُّفُوسِ، وَالْإِيثَارُ بِحُظُوظِ النُّفُوسِ مُسْتَحَبٌّ بِلَا شَكٍّ وَبَيَّنَهُ تَمَامُ الْآيَةِ {وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} (الحشر: من الآية9) وَقَدْ يُحْتَجُّ لِكَرَاهَتِهِ بِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم"لَا يَزَالُ قَوْمٌ يَتَأَخَّرُونَ حَتَّى يُؤَخِّرَهُمْ اللَّهُ تعالى"وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ سَبَقَ بَيَانُهُ فِي بَابِ مَوْقِفِ الْإِمَامِ.

الرابعة: قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُنَا: يَجُوزُ أَنْ يَبْعَثَ الرَّجُلُ مَنْ يَأْخُذُ لَهُ مَوْضِعًا يَجْلِسُ فِيهِ. فَإِذَا جَاءَ الْبَاعِثُ تَنَحَّى الْمَبْعُوثُ، وَيَجُوزُ أَنْ يَفْرِشَ لَهُ ثَوْبًا وَنَحْوَهُ، ثُمَّ يَجِيءُ وَيُصَلِّي مَوْضِعَهُ فَإِذَا فَرَشَهُ لَمْ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت