ج / 4 ص -294- يَجُزْ لِغَيْرِهِ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ، وَلَكِنْ لَهُ أَنْ يُنَحِّيَهُ وَيَجْلِسَ مَكَانَهُ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُنَحِّيَهُ بِحَيْثُ لَا يَدْفَعُهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ دَفَعَهُ دَخَلَ فِي ضَمَانِهِ، ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْبَيَانِ وَغَيْرُهُ.
الخامسة: إذَا جَلَسَ فِي مَكَان مِنْ الْمَسْجِدِ فَقَامَ لِحَاجَةٍ كَوُضُوءٍ وَغَيْرِهِ ثُمَّ عَادَ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ لِلْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ فِي الْكِتَابِ، وَفِي هَذَا الْحَقِّ وَجْهَانِ أحدهما: يُسْتَحَبُّ الثاني: أَنْ يَرُدَّهُ إلَيْهِ وَلَا يَلْزَمَهُ. وَبِهَذَا جَزَمَ الْمُصَنِّفُ، وَهُوَ ظَاهِرُ نَصِّ الشَّافِعِيِّ"وَأَصَحُّهُمَا"يَجِبُ عَلَيْهِ رَدُّهُ إلَى الْأَوَّلِ، صَحَّحَهُ أَصْحَابُنَا، وَجَزَمَ بِهِ جَمَاعَةٌ لِظَاهِرِ الْحَدِيثِ، قَالَ أَصْحَابُنَا: وَسَوَاءٌ تَرَكَ الْأَوَّلُ فِي مَوْضِعِهِ ثَوْبًا وَنَحْوَهُ أَمْ لَا فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ فِي الْحَالَيْنِ، وَسَوَاءٌ قَامَ لِحَاجَةٍ بَعْدَ الدُّخُولِ فِي الصَّلَاةِ أَوْ قَبْلَهُ، أَمَّا إذَا فَارَقَ لِغَيْرِ عُذْرٍ فَيَبْطُلُ حَقُّهُ بِلَا خِلَافٍ، وَسَيَأْتِي بَسْطُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَنَظَائِرِهَا فِي إحْيَاءِ1 الْمَوَاتِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تعالى.
السادسة: إذَا نَعَسَ فِي مَكَانِهِ وَوَجَدَ مَوْضِعًا لَا يَتَخَطَّى فِيهِ أَحَدًا يُسْتَحَبُّ أَنْ يَتَحَوَّلَ إلَيْهِ، نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ، وَاتَّفَقُوا عَلَيْهِ لِلْحَدِيثِ مَرْفُوعًا كَانَ أَوْ مَوْقُوفًا، وَلِأَنَّهُ سَبَبٌ لِزَوَالِ النُّعَاسِ، قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ: وَإِذَا ثَبَتَ فِي مَوْضِعِهِ وَتَحَفَّظَ مِنْ النُّعَاسِ بِوَجْهٍ يَرَاهُ نَافِيًا لِلنُّعَاسِ لَمْ أَكْرَهْ بَقَاءَهُ، وَلَا أُحِبُّ أَنْ يَتَحَوَّلَ.
فرع: قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ: إذَا حَضَرَ قَبْلَ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ أَوْ غَيْرِهَا اُسْتُحِبَّ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ فِي جُلُوسِهِ، فَإِنْ اسْتَدْبَرَهَا جَازَ وَلَوْ اتَّكَأَ أَوْ مَدَّ رِجْلَيْهِ أَوْ ضَيَّقَ عَلَى النَّاسِ بِغَيْرِ ذَلِكَ كُرِهَ إلَّا أَنْ يَكُونَ بِهِ عِلَّةٌ، قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ: فَإِنْ كَانَ بِهِ عِلَّةٌ اُسْتُحِبَّ أَنْ يَتَحَوَّلَ إلَى مَوْضِعٍ لَا يُزَاحِمُ فِيهِ حَتَّى لَا يُؤْذِي وَلَا يَتَأَذَّى.
قال المصنف رحمه الله تعالى:"وَإِنْ حَضَرَ قَبْلَ الْخُطْبَةِ اشْتَغَلَ بِذِكْرِ اللَّهِ تعالى وَالصَّلَاةِ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقْرَأَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ سُورَةَ الْكَهْفِ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ رضي الله عنه أَنَّهُ قَالَ"مَنْ قَرَأَ سُورَةَ الْكَهْفِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَ الْجُمُعَةِ إلَى الْجُمُعَةِ"وَيُكْثِرُ مِنْ الصَّلَاةِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَلَيْلَتِهَا؛ لِمَا رَوَى أَوْسُ بْنُ أَوْسٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:"إنَّ مِنْ أَفْضَلِ أَيَّامِكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَأَكْثِرُوا عَلَيَّ مِنْ الصَّلَاةِ فِيهِ، فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ مَعْرُوضَةٌ عَلَيَّ"وَيُكْثِرُ مِنْ الدُّعَاءِ؛ لِأَنَّ فِيهِ سَاعَةً يُسْتَجَابُ فِيهَا الدُّعَاءُ فَلَعَلَّهُ يُصَادِفُ ذَلِكَ".
الشرح: حَدِيثُ أَوْسِ بْنِ أَوْسٍ هَذَا صَحِيحٌ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيِّ وَغَيْرُهُمَا بِأَسَانِيدَ صَحِيحَةٍ، قَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي كِتَابِ الْمَعْرِفَةِ: رَوَيْنَا عَنْ أَنَسٍ، وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ فِي فَضْلِ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ وَيَوْمَهَا أَحَادِيثَ وَأَصَحُّهَا حَدِيثُ أَوْسٍ هَذَا، وَأَمَّا الْأَثَرُ عَنْ عُمَرَ رضي الله عنه فِي الْكَهْفِ فَغَرِيبٌ وَرُوِيَ بِمَعْنَاهُ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ وَهُوَ ضَعِيفٌ أَيْضًا، وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ"مَنْ قَرَأَ سُورَةَ الْكَهْفِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَضَاءَ لَهُ مِنْ النُّورِ مَا بَيْنَ الْجُمُعَتَيْنِ"قَالَ: وَرُوِيَ مَوْقُوفًا عَلَى أَبِي سَعِيدٍ.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 كتاب أحياء الموات من حظنا الذي قسمه الله لنا ونسأله تعالى أن يكون لنا فيه نعم المؤزر.