فهرس الكتاب

الصفحة 1573 من 4102

ج / 4 ص -287- مُؤْثِرًا؛ لِمَا فِي تَرْكِهِ مِنْ مُخَالَفَتِهِ، وَقَالَ فِي كِتَابِهِ الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يَلْبَسَ السَّوَادَ، وَيُسْتَدَلُّ بِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ. وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَلْبَسُ الْبَيَاضَ دُونَ السَّوَادِ إلَّا أَنْ يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّهِ تَرَتُّبُ مَفْسَدَةٍ عَلَى ذَلِكَ مِنْ جِهَةِ السُّلْطَانِ أَوْ غَيْرِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا الْمَذْكُورَ مِنْ اسْتِحْبَابِ الْغُسْلِ وَالطِّيبِ وَالتَّنَظُّفِ بِإِزَالَةِ الشُّعُورِ الْمَذْكُورَةِ وَالظُّفْرِ وَالرَّوَائِحِ الْكَرِيهَةِ وَلُبْسِ أَحْسَنِ ثِيَابِهِ - لَيْسَ مُخْتَصًّا بِالْجُمُعَةِ بَلْ هُوَ مُسْتَحَبٌّ لِكُلِّ مَنْ أَرَادَ حُضُورَ مَجْمَعٍ مِنْ مَجَامِعِ النَّاسِ، نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ الْأَصْحَابُ وَغَيْرُهُمْ. قَالَ الشَّافِعِيُّ: أُحِبُّ ذَلِكَ كُلَّهُ لِلْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ وَكُلِّ مَجْمَعٍ تَجْتَمِعُ فِيهِ النَّاسُ، قَالَ: وَأَنَا لِذَلِكَ فِي الْجُمَعِ وَنَحْوِهَا أَشَدُّ اسْتِحْبَابًا. قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ: وَتُسْتَحَبُّ هَذِهِ الْأُمُورُ لِكُلِّ مَنْ أَرَادَ حُضُورَ الْجُمُعَةِ وَنَحْوِهَا، سَوَاءٌ الرِّجَالُ وَالصِّبْيَانُ وَالْعَبِيدُ، إلَّا النِّسَاءَ فَيُكْرَهُ لِمَنْ أَرَادَتْ مِنْهُنَّ الْحُضُورَ الطِّيبُ وَالزِّينَةُ وَفَاخِرُ الثِّيَابِ، وَيُسْتَحَبُّ لَهَا قَطْعُ الرَّائِحَةِ الْكَرِيهَةِ، وَإِزَالَةُ الظُّفْرِ وَالشُّعُورِ الْمَكْرُوهَةِ.

قال المصنف رحمه الله تعالى:"وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُبَكِّرَ إلَى الْجُمُعَةِ؛ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ"مَنْ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ غُسْلَ الْجَنَابَةِ ثُمَّ رَاحَ [فِي السَّاعَةِ الْأُولَى] 1 فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَقَرَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثالثة: فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ كَبْشًا أَقَرْنَ، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الرَّابِعَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ دَجَاجَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الْخَامِسَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَيْضَةً، فَإِذَا خَرَجَ الْإِمَامُ حَضَرَتْ الْمَلَائِكَةُ يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ وَطُوِيَتْ الصُّحُفُ"."

الشرح: حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ هَذَا قَدْ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ بِلَفْظِهِ، وَهَذَا الْمَذْكُورُ مِنْ أَنَّ السَّاعَاتِ خَمْسٌ هُوَ الْمَشْهُورُ فِي كُتُبِ الْحَدِيثِ، وَفِي رِوَايَةِ النَّسَائِيّ سِتُّ سَاعَاتٍ. قَالَ:"فِي الْأُولَى بَدَنَةً، وَفِي الثَّانِيَةِ بَقَرَةً، وَالثالثة: كَبْشًا، وَالرَّابِعَةِ بَطَّةً، وَالْخَامِسَةِ دَجَاجَةً، وَالسَّادِسَةِ بَيْضَةً"وَفِي رِوَايَةِ النَّسَائِيّ أَيْضًا: فِي الرَّابِعَةِ دَجَاجَةً، وَفِي الْخَامِسَةِ عُصْفُورًا، وَفِي السَّادِسَةِ بَيْضَةً"وَإِسْنَادُ الرِّوَايَتَيْنِ صَحِيحَانِ؛ لَكِنْ قَدْ يُقَالُ: هُمَا شَاذَّانِ لِمُخَالِفَتِهِمَا سَائِرَ الرِّوَايَاتِ. وَقَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم"غُسْلُ الْجَنَابَةِ، مَعْنَاهُ غُسْلًا كَغُسْلِ الْجَنَابَةِ فِي صِفَاتِهِ وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لِئَلَّا يَتَسَاهَلَ فِيهِ وَلَا يُكْمِلَ آدَابَهُ وَمَنْدُوبَاتِهِ. لِكَوْنِهِ سُنَّةً لَيْسَ بِوَاجِبٍ، هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ فِي مَعْنَاهُ، وَلَمْ يَذْكُرْ جُمْهُورُ أَصْحَابِنَا وَجَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ غَيْرَهُ، وَحَكَى الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي تَعْلِيقِهِ وَصَاحِبُ الشَّامِلِ وَغَيْرُهُمَا مِنْ أَصْحَابِنَا أَنَّ بَعْضَهُمْ حَمَلَهُ عَلَى الْغُسْلِ مِنْ الْجَنَابَةِ حَقِيقَةً، قَالُوا: وَالْمُرَادُ بِهِ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يُجَامِعَ زَوْجَتَهُ - إنْ كَانَ لَهُ زَوْجَةٌ - أَوْ أَمَتَهُ، لِتَسْكُنَ نَفْسُهُ فِي يَوْمِهِ، وَيُؤَيِّدُهُ الْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ بَعْدَ هَذَا"مَنْ غَسَّلَ وَاغْتَسَلَ"عَلَى أَحَدِ الْمَذَاهِبِ فِي تَفْسِيرِهِ كَمَا سَيَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ.

وَقَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم"مَنْ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ثُمَّ رَاحَ"يَسْتَدِلُّ بِهِ أَصْحَابُنَا عَلَى مَالِكٍ فِي اشْتِرَاطِ الرَّوَاحِ عَقِبَهُ؛ لِأَنَّ ثُمَّ لِلتَّرَاخِي، وَيَسْتَدِلُّونَ بِهِ عَلَى الْأَوْزَاعِيِّ فِي تَجْوِيزِهِ الِاغْتِسَالَ قَبْلَ الْفَجْرِ؛ لِأَنَّ مَا قَبْلَ الْفَجْرِ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1 ما بين المعقوفين ساقط من ش و ق (ط)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت