ج / 4 ص -288- لَيْسَ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ بِالِاتِّفَاقِ. وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ مُبَيِّنَةٌ لِغُسْلِ الْجُمُعَةِ الْمُطْلَقِ فِي غَيْرِهَا، وَقَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم ثُمَّ رَاحَ أَيْ فِي السَّاعَةِ الْأُولَى، وَأَمَّا حَقِيقَةُ الرَّوَاحِ وَالْمُرَادُ بِهِ فَسَنَذْكُرُهُ عَقِبَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تعالى. وقوله: صلى الله عليه وسلم:"قَرَّبَ بَدَنَةً"إلَى آخِرِهِ مَعْنَى قَرَّبَ بَدَنَةً تَصَدَّقَ بِهَا. وَالْمُرَادُ بِالْبَدَنَةِ هُنَا الْوَاحِدُ مِنْ الْإِبِلِ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى وَفِي حَقِيقَةِ الْبَدَنَةِ خِلَافٌ لِأَهْلِ اللُّغَةِ وَالْفُقَهَاءِ قَالَ الْجُمْهُورُ: يَقَعُ عَلَى الْوَاحِدِ مِنْ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ، وَسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِعِظَمِ بَدَنِهَا، وَقِيلَ: يَخْتَصُّ بِالْإِبِلِ وَالْبَقَرِ، وَيَقَعُ عَلَى الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى، سُمِّيَتْ بَقَرَةً؛ لِأَنَّهَا تَبْقُرُ الْأَرْضَ أَيْ تَشُقُّهَا بِالْحِرَاثَةِ، وَالْبَقْرُ الشَّقُّ وَوَصَفَ الْكَبْشَ بِأَنَّهُ أَقْرَنُ؛ لِأَنَّهُ أَحْسَنُ وَأَكْمَلُ فِي صُورَتِهِ، وَالدَّجَاجَةُ - بِفَتْحِ الدَّالِ وَكَسْرِهَا - يَقَعُ عَلَى ذَكَرٍ وَأُنْثَى، وَيُقَالُ: حَضَرَتْ الْمَلَائِكَةُ وَغَيْرُهُمْ بِفَتْحِ الضَّادِ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَحَكَى ابْنُ السِّكِّيتِ وَجَمَاعَاتٌ كَسْرَهَا، قَالُوا: وَهَؤُلَاءِ الْمَلَائِكَةُ غَيْرُ الْحَفَظَةِ بَلْ طَائِفَةٌ وَظِيفَتُهُمْ كِتَابَةُ حَاضِرِي الْجُمُعَةِ، ثُمَّ يَحْضُرُونَ يَسْمَعُونَ الْخُطْبَةَ.
وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ حُجَّةٌ لَنَا وَلِلْجُمْهُورِ عَلَى مَالِكٍ، فَإِنَّهُ قَالَ: التَّضْحِيَةُ بِالْبَقَرَةِ أَفْضَلُ مِنْ الْبَدَنَةِ، وَفِي الْهَدْيِ فِي الْحَجِّ قَالَ: الْبَدَنَةُ أَفْضَلُ، وَعِنْدَنَا وَعِنْدَ الْجُمْهُورِ الْبَدَنَةُ أَفْضَلُ فِيهِمَا، وَدَلِيلُنَا أَنَّ الْقُرْبَانَ يُطْلَقُ عَلَى الْأُضْحِيَّةِ وَالْهَدْيِ، وَهَذَا الْحَدِيثُ صَرِيحٌ فِي تَرْجِيحِ الْبَدَنَةِ عَلَى الْبَقَرَةِ فِي الْقُرْبَانِ، وَمَعْنَى الْحَدِيثِ: الْحَثُّ عَلَى التَّبْكِيرِ إلَى الْجُمُعَةِ، وَأَنَّ مَرَاتِبَ النَّاسِ فِي الْفَضِيلَةِ فِيهِ وَفِي غَيْرِهِ عَلَى قَدْرِ أَعْمَالِهِمْ كَقَوْلِهِ تعالى: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} (الحجرات: من الآية13) وَاتَّفَقَ أَصْحَابُنَا عَلَى اسْتِحْبَابِ التَّبْكِيرِ إلَى الْجُمُعَةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
قال المصنف رحمه الله تعالى:"وَتُعْتَبَرُ السَّاعَاتُ مِنْ حِينِ طُلُوعِ الْفَجْرِ؛ لِأَنَّهُ أَوَّلُ الْيَوْمِ، وَبِهِ يَتَعَلَّقُ جَوَازُ الْغُسْلِ، وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ: يُعْتَبَرُ مِنْ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَلَيْسَ بِشَيْءٍ".
الشرح: اتَّفَقَ أَصْحَابُنَا وَغَيْرُهُمْ عَلَى اسْتِحْبَابِ التَّبْكِيرِ إلَى الْجُمُعَةِ فِي السَّاعَةِ الْأُولَى لِلْحَدِيثِ السَّابِقِ؛ وَفِيمَا يُعْتَبَرُ مِنْهُ السَّاعَاتُ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ الصحيح عِنْدَ الْمُصَنِّفِ وَالْأَكْثَرِينَ مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ والثاني: مِنْ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَبِهِ قَطَعَ الْمُصَنِّفُ فِي التَّنْبِيهِ، وَيُنْكَرُ عَلَيْهِ الْجَزْمُ بِهِ والثالث: أَنَّ السَّاعَاتِ هُنَا لَحَظَاتٌ لَطِيفَةٌ بَعْدَ الزَّوَالِ، وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَغَيْرُهُمَا مِنْ الْخُرَاسَانِيِّينَ وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ. وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ الرَّوَاحَ إنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ الزَّوَالِ، وَهَذَا ضَعِيفٌ أَوْ بَاطِلٌ، وَالصَّوَابُ أَنَّ السَّاعَاتِ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ؛ وَأَنَّهُ يُسْتَحَبُّ التَّبْكِيرُ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ، وَبِهَذَا قَالَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ، وَحَكَاهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ عَنْ الشَّافِعِيِّ وَابْنِ حَبِيبٍ الْمَالِكِيِّ وَأَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، وَدَلِيلُهُ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أَخْبَرَ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ يَكْتُبُونَ مَنْ جَاءَ فِي السَّاعَةِ الْأُولَى وَالثَّانِيَةِ وَالثالثة: وَالرَّابِعَةِ وَالْخَامِسَةِ وَالسَّادِسَةِ، كَمَا صَحَّ فِي رِوَايَتَيْ النَّسَائِيّ اللَّتَيْنِ قَدَّمْتُهُمَا، فَإِذَا خَرَجَ الْإِمَامُ طَوَوْا الصُّحُفَ وَلَا يَكْتُبُونَ بَعْدَ ذَلِكَ أَحَدًا، وَمَعْلُومٌ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَخْرُجُ إلَى الْجُمُعَةِ مُتَّصِلًا بِالزَّوَالِ، وَكَذَلِكَ جَمِيعُ الْأَئِمَّةِ فِي جَمِيعِ الْأَمْصَارِ، وَذَلِكَ بَعْدَ انْقِضَاءِ السَّاعَةِ السَّادِسَةِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا شَيْءَ مِنْ الْهَدْيِ وَالْفَضِيلَةِ لِمَنْ جَاءَ بَعْدَ الزَّوَالِ وَلَا يُكْتَبُ لَهُ شَيْءٌ أَصْلًا؛ لِأَنَّهُ جَاءَ بَعْدَ طَيِّ الصُّحُفِ، وَلِأَنَّ ذِكْرَ السَّاعَاتِ إنَّمَا كَانَ لِلْحَثِّ عَلَى التَّبْكِيرِ إلَيْهَا وَالتَّرْغِيبِ فِي فَضِيلَةِ السَّبْقِ، وَتَحْصِيلِ فَضِيلَةِ الصَّفِّ الْأَوَّلِ، وَانْتِظَارِهَا وَالِاشْتِغَالِ بِالتَّنَفُّلِ