ج / 4 ص -263- أَحَدٌ أَوْجَبْتُ، فَعُلِمَ أَنَّ الْمُزَنِيَّ لَمْ يُخْطِئْ فِي نَقْلِهِ وَإِنَّمَا أَخْطَأَ أَبُو الْعَبَّاسِ فِي تَأْوِيلِهِ. هَذَا كَلَامُ صَاحِبِ الْحَاوِي وَخَالَفَهُ الْأَكْثَرُونَ كَمَا قَدَّمْنَاهُ. قَالَ الْمَحَامِلِيُّ فِي الْمَجْمُوعِ وَصَاحِبُ الْعُدَّةِ وَالشَّيْخُ نَصْرٌ وَغَيْرُهُمْ: هَذَا الْوَجْهُ الثَّالِثُ ضَعِيفٌ قَالُوا: وَهُوَ أَضْعَفُ الْأَوْجُهِ، وَهُوَ كَمَا قَالُوا؛ لِأَنَّهُ مُتَمَكِّنٌ مِنْ الْخُطْبَةِ وَالصَّلَاةِ، وَلَا يُلْتَفَتُ إلَى احْتِمَالِ انْفِضَاضِهِمْ ثَانِيًا، فَإِنَّهُ احْتِمَالٌ ضَعِيفٌ نَادِرٌ قَالَ أَصْحَابُنَا، فَإِنْ أُعِيدَتْ الْخُطْبَةُ وَصُلِّيَتْ الْجُمُعَةُ فَلَا إثْمَ عَلَى وَاحِدٍ وَإِنْ لَمْ تُعَدْ وَأَوْجَبْنَا إعَادَتَهَا أَثِمُوا كُلُّهُمْ، وَإِنْ لَمْ نُوجِبْ إعَادَتَهَا أَثِمَ الْمُنْفَضُّونَ دُونَ الْإِمَامِ وَالْبَاقِينَ. قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْمَحَامِلِيُّ وَابْنُ الصَّبَّاغِ وَسَائِرُ الْأَصْحَابِ: الِاعْتِبَارُ فِي طُولِ الْفصل:بِالْعُرْفِ فَمَا عُدَّ طَوِيلًا فَطَوِيلٌ، وَإِلَّا فَقَصِيرٌ. وَحَكَى الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ فِي تَعْلِيقِهِ وَالْمُصَنِّفُ بَعْدَ هَذَا وَسَائِرُ الْأَصْحَابِ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ تَفْرِيعًا عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي قَالَهُ هُنَا أَنَّهُ لَوْ صَلَّوْا الظُّهْرَ وَتَرَكُوا الْجُمُعَةَ جَازَ بِنَاءً عَلَى أَصْلِهِ إذَا اجْتَمَعَ أَهْلُ بَلَدٍ عَلَى تَرْكِ الْجُمُعَةِ ثُمَّ صَلَّوْا الظُّهْرَ جَازَ، وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُ قَوْلِهِ: وَأَنَّ الصَّحِيحَ خِلَافُهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ أَصْحَابُنَا: وَسَوَاءٌ طَالَ الْفصل:وَالْخَطِيبُ سَاكِتٌ أَوْ مُسْتَمِرٌّ فِي الْخُطْبَةِ، ثُمَّ أَعَادَ مَا جَرَى مِنْ أَرْكَانِهَا فِي حَالِ غَيْبَتِهِمْ حِينَ عَادُوا، أَمَّا إذَا أَحْرَمَ بِالْجُمُعَةِ بِالْعَدَدِ الْمَشْرُوطِ وَأَحْرَمُوا ثُمَّ حَضَرَ أَرْبَعُونَ آخَرُونَ وَأَحْرَمُوا بِهَا ثُمَّ انْفَضَّ الْأَوَّلُونَ، فَقَالَ الْأَصْحَابُ: لَا يَضُرُّ بَلْ يُتِمُّ الْجُمُعَةَ سَوَاءٌ كَانَ اللَّاحِقُونَ سَمِعُوا الْخُطْبَةَ أَمْ لَا، قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ: وَلَا يَمْتَنِعُ عِنْدِي أَنْ يُقَالُ يُشْتَرَطُ بَقَاءُ أَرْبَعِينَ سَمِعُوا الْخُطْبَةَ أَمَّا إذَا انْفَضُّوا بَعْدَ الْإِحْرَامِ ثُمَّ حَضَرَ أَرْبَعُونَ مُتَّصِلُونَ بِهِمْ، فَقَالَ الْغَزَالِيُّ: يَسْتَمِرُّ صِحَّةُ الْجُمُعَةِ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ اللَّاحِقُونَ سَمِعُوا الْخُطْبَةَ.
فرع: أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الْجُمُعَةَ لَا تَصِحُّ مِنْ مُنْفَرِدٍ، وَأَنَّ الْجَمَاعَةَ شَرْطٌ لِصِحَّتِهَا، وَهُوَ مُرَادُ الْمُصَنِّفِ بِقَوْلِهِ:"وَلَا تَصِحُّ إلَّا بِأَرْبَعِينَ"أَيْ فِي جَمَاعَةٍ؛ وَلَوْ صَرَّحَ بِهِ لَكَانَ أَحْسَنَ. قَالَ أَصْحَابُنَا: وَشُرُوطُ الْجُمُعَةِ هُنَا كَشُرُوطِهَا فِي سَائِرِ الصَّلَوَاتِ، وَيُشْتَرَطُ هُنَا أُمُورٌ زَائِدَةٌ سَبَقَ بَيَانُهَا. وَهُوَ كَوْنُهُمْ أَرْبَعِينَ كَامِلِينَ، وَوُقُوعُهَا فِي خُطَّةِ الْبَلَدِ وَفِي الْوَقْتِ، وَسَبَقَتْ فُرُوعٌ كَثِيرَةٌ وَمَسَائِلُ مُهِمَّةٌ تَتَعَلَّقُ بِصِفَاتِ الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِينَ فِي الْجُمُعَةِ فِي أَوَّلِ بَابِ صِفَةِ الْأَئِمَّةِ. قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ: وَلَا يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ الْجُمُعَةِ حُضُورُ السُّلْطَانِ، وَلَا إذْنُهُ فِيهَا، وَحَكَى صَاحِبُ الْبَيَانِ قَوْلًا قَدِيمًا أَنَّهُ لَا تَصِحُّ إلَّا خَلْفَ السُّلْطَانِ أَوْ مَنْ أَذِنَ لَهُ، وَهُوَ شَاذٌّ بَاطِلٌ، وَالْمَعْرُوفُ فِي الْمَذْهَبِ مَا سَبَقَ.
قال المصنف رحمه الله تعالى:"وَلَا تَصِحُّ الْجُمُعَةُ إلَّا فِي وَقْتِ الظُّهْرِ؛ لِأَنَّهُمَا فَرْضٌ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ فَلَمْ يَخْتَلِفْ وَقْتُهُمَا كَصَلَاةِ الْحَضَرِ وَصَلَاةِ السَّفَرِ، وَإِنْ خَطَبَ قَبْلَ دُخُولِ الْوَقْتِ لَمْ تَصِحَّ؛ لِأَنَّ الْجُمُعَةَ رُدَّتْ إلَى رَكْعَتَيْنِ بِالْخُطْبَةِ فَإِذَا لَمْ تَجُزْ الصَّلَاةُ قَبْلَ الْوَقْتِ لَمْ تَجُزْ الْخُطْبَةُ فَإِنْ دَخَلَ فِيهَا فِي وَقْتِهَا ثُمَّ خَرَجَ الْوَقْتُ لَمْ يَجُزْ فِعْلُ الْجُمُعَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ ابْتِدَاؤُهَا بَعْدَ خُرُوجِ الْوَقْتِ فَلَا يَجُوزُ إتْمَامُهَا كَالْحَجِّ، وَيُتِمُّ الظُّهْرَ؛ لِأَنَّهُ فَرْضٌ رُدَّ مِنْ أَرْبَعٍ إلَى رَكْعَتَيْنِ بِشَرْطٍ يَخْتَصُّ بِهِ، فَإِذَا زَالَ الشَّرْطُ أَتَمَّ كَالْمُسَافِرِ إذَا دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ ثُمَّ قَدِمَ قَبْلَ أَنْ يُتِمَّ، وَإِنْ أَحْرَمَ بِهَا فِي الْوَقْتِ ثُمَّ شَكَّ هَلْ خَرَجَ الْوَقْتُ؟. أَتَمَّ الْجُمُعَةَ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ الْوَقْتِ وَصِحَّةُ الْفَرْضِ وَلَا تَبْطُلُ بِالشَّكِّ"