ج / 4 ص -262- وَالْقَوْلُ الرَّابِعُ: الْمُخَرَّجُ لَا تَبْطُلُ، وَإِنْ بَقِيَ وَحْدَهُ.
والخامس: إنْ انْفَضُّوا فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى بَطَلَتْ الْجُمُعَةُ، وَإِنْ انْفَضُّوا بَعْدَهَا لَمْ تَبْطُلْ الْجُمُعَةُ بَلْ يُتِمُّهَا الْإِمَامُ وَحْدَهُ، وَكَذَا مَنْ مَعَهُ إنْ بَقِيَ مَعَهُ أَحَدٌ. هَذَا حُكْمُ الِانْفِضَاضِ فِي نَفْسِ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْأَرْبَعِينَ شَرْطٌ لِصِحَّةِ الْخُطْبَتَيْنِ، فَيُشْتَرَطُ سَمَاعُهُمْ الْآنَ كَمَا سَنُوَضِّحُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تعالى فَلَوْ حَضَرَ الْعَدَدُ ثُمَّ انْفَضُّوا قَبْلَ افْتِتَاحِ الْخُطْبَةِ لَمْ يَجُزْ افْتِتَاحُهَا حَتَّى يَجْتَمِعَ لَهَا أَرْبَعُونَ كَامِلُونَ وَإِنْ انْفَضُّوا فِي أَثْنَاءِ الْخُطْبَةِ لَمْ يُعْتَدَّ بِالرُّكْنِ الْمَفْعُولِ فِي غَيْبَتِهِمْ بِلَا خِلَافٍ، بِخِلَافِ الِانْفِضَاضِ فِي الصَّلَاةِ، فَإِنَّ فِيهِ الْأَقْوَالَ الْخَمْسَةَ. وَفَرَّقَ الْأَصْحَابُ بِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ يُصَلِّي لِنَفْسِهِ فَسُومِحَ بِنَقْصِ الْعَدَدِ عَلَى قَوْلٍ، وَالْخَطِيبُ لَا يَخْطُبُ لِنَفْسِهِ، إنَّمَا الْغَرَضُ إسْمَاعُهُمْ، فَمَا جَرَى وَلَا مُسْتَمِعَ لَمْ يَحْصُلْ فِيهِ الْغَرَضُ فَلَمْ تَصِحَّ، ثُمَّ إنْ عَادُوا قَبْلَ طُولِ الْفصل:بَنَى عَلَى خُطْبَتِهِ، وَإِنْ عَادُوا بَعْدَهُ فَقَوْلَانِ مَشْهُورَانِ فِي كُتُبِ الْخُرَاسَانِيِّينَ، قَالَ: وَيُعَبَّرُ عَنْهُمَا بِأَنَّ الْمُوَالَاةَ فِي الْخُطْبَةِ وَاجِبَةٌ أَمْ لَا؟ الْأَصَحُّ أَنَّهَا وَاجِبَةٌ فَيَجِبُ الِاسْتِئْنَافُ. والثاني: غَيْرُ وَاجِبَةٍ فَيَبْنِي، وَبَنَى جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ الْقَوْلَيْنِ عَلَى أَنَّ الْخُطْبَتَيْنِ بَدَلٌ مِنْ الرَّكْعَتَيْنِ فَيَجِبُ الِاسْتِئْنَافُ أَمْ لَا؟ فَلَا يَجِبُ، قَالُوا: وَلَا فَرْقَ بَيْنَ فَوَاتِ الْمُوَالَاةِ لِعُذْرٍ وَغَيْرِهِ فِيمَا ذَكَرْنَاهُ وَلَوْ لَمْ يَعُدْ الْأَوَّلُونَ وَجَاءَ غَيْرُهُمْ وَجَبَ اسْتِئْنَافُ الْخُطْبَتَيْنِ قَصُرَ الْفصل:أَمْ طَالَ بِلَا خِلَافٍ.
أَمَّا إذَا انْفَضُّوا بَعْدَ فَرَاغِ الْخُطْبَةِ - فَإِنْ عَادُوا قَبْلَ طُولِ الْفصل:- صَلَّى الْجُمُعَةَ بِتِلْكَ الْخُطْبَةِ بِلَا خِلَافٍ، وَقَدْ ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ بَعْدَ هَذَا بِقَلِيلٍ، وَإِنْ عَادُوا بَعْدَ طُولِ الْفصل:فَفِيهِ خِلَافٌ مَبْنِيٌّ عَلَى اشْتِرَاطِ الْمُوَالَاةِ بَيْنَ الْخُطْبَةِ وَالصَّلَاةِ، وَفِيهِ قَوْلَانِ مَشْهُورَانِ أصحهما: وَهُوَ الْجَدِيدُ الِاشْتِرَاطُ، فَعَلَى هَذَا لَا تَجُوزُ صَلَاةُ الْجُمُعَةِ بِتِلْكَ الْخُطْبَةِ والثاني: لَا يُشْتَرَطُ فَعَلَى هَذَا يُصَلِّي بِهَا، وَهَلْ تَجِبُ إعَادَةُ الْخُطْبَةِ وَصَلَاةِ الْجُمُعَةِ أَمْ لَا؟ قَالَ الْمُزَنِيّ فِي الْمُخْتَصَرِ: قَالَ الشَّافِعِيُّ: أَحْبَبْتُ أَنْ يَبْتَدِئَ الْخُطْبَةَ ثُمَّ يُصَلِّيَ الْجُمُعَةَ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ صَلَّى بِهِمْ الظُّهْرَ، وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي مَعْنَى كَلَامِهِ هَذَا عَلَى ثَلَاثَةٍ أَوْ أَنَّهُ حَكَاهَا الْمُصَنِّفُ بَعْدَ هَذَا وَالْأَصْحَابُ، وَهِيَ مَشْهُورَةٌ أصحها: وَبِهِ قَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ وَالْقَفَّالُ وَأَكْثَرُ أَصْحَابِنَا: تَجِبُ إعَادَةُ الْخُطْبَةِ ثُمَّ يُصَلِّي بِهِمْ الْجُمُعَةَ لِتَمَكُّنِهِ مِنْ ذَلِكَ قَالُوا: وَلَفْظُ الشَّافِعِيِّ إنَّمَا هُوَ (أَوْجَبْتُ) وَلَكِنَّهُ صُحِّفَ. وَمِنْهُمْ مَنْ تَأَوَّلَهُ وَقَالَ: أَرَادَ بِأَحْبَبْتُ: أَوْجَبْتُ، قَالُوا: وَقَوْلُهُ صَلَّى بِهِمْ الظُّهْرَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا ضَاقَ الْوَقْتُ وَالْوَجْهُ الثاني: وَبِهِ قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ: لَا تَجِبُ إعَادَةُ الْخُطْبَةِ لَكِنْ تُسْتَحَبُّ وَتَجِبُ صَلَاةُ الْجُمُعَةِ. أَمَّا وُجُوبُ الْجُمُعَةِ فَلِقُدْرَتِهِ عَلَيْهَا، وَإِنَّمَا لَمْ تَجِبْ الْخُطْبَةُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ انْفِضَاضُهُمْ ثَانِيًا، فَصَارَ ذَلِكَ عُذْرًا فِي سُقُوطِهَا. الثالث: وَبِهِ قَالَ أَبُو عَلِيٍّ الطَّبَرِيُّ فِي الْإِفْصَاحِ: لَا تَجِبُ إعَادَةُ الْخُطْبَةِ وَلَا تَجِبُ الْجُمُعَةُ أَيْضًا، لَكِنْ يُسْتَحَبَّانِ عَمَلًا بِظَاهِرِ نَصِّهِ، وَهَذَا الثَّالِثُ هُوَ الْأَصَحُّ عِنْدَ صَاحِبَيْ الْحَاوِي وَالْمُسْتَظْهَرَيْ؛ قَالَا: وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا. قَالَ صَاحِبُ الْحَاوِي: وَقَوْلُ ابْنُ سُرَيْجٍ وَإِنْ كَانَ لَهُ وَجْهٌ فَقَوْلُ أَبِي عَلِيٍّ أَظْهَرُ. قَالَ: وَقَدْ أَخْطَأَ أَبُو الْعَبَّاسِ فِي تَخْطِئَتِهِ الْمُزَنِيِّ؛ لِأَنَّ الْبُوَيْطِيَّ وَالرَّبِيعَ وَالزَّعْفَرَانِيّ نَقَلُوهُ هَكَذَا عَنْ الشَّافِعِيِّ فَقَالُوا: قَالَ أَحْبَبْتُ، وَلَمْ يَنْقُلْ عَنْهُ