ج / 4 ص -210- وَقَوْلُهُ"ِلأَنَّ الْقِيَامَ أَفْضَلُ مِنْ الْقُعُودِ"هَذَا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي إطَالَةِ الْقِيَامِ وَالسُّجُودِ أَيُّهُمَا أَفْضَلُ؟ وَمَذْهَبُنَا أَنَّ إطَالَةَ الْقِيَامِ أَفْضَلُ، ، وَقَدْ سَبَقَتْ الْمَسْأَلَةُ بِدَلَائِلِهَا فِي أَوَّلِ بَابِ صِفَةِ الصَّلَاةِ. وَقَوْلُهُ: لِأَنَّهُ تَتَشَهَّدُ كُلُّ طَائِفَةِ تَشَهُّدَيْنِ، هَذَا تَفْرِيعٌ عَلَى الْأَصَحِّ، وَهُوَ نَصُّهُ في"الأم"أَنَّ الثَّانِيَةَ تُفَارِقُ الْإِمَامَ عَقِبَ السُّجُودِ، وَلَا يَتَشَهَّدُونَ مَعَهُ، أَمَّا إذَا قُلْنَا بِنَصِّهِ فِي سُجُودِ السَّهْوِ: إنَّهُمْ يُفَارِقُونَهُ بَعْدَ تَشَهُّدِهِ فَإِنَّهُمْ يَتَشَهَّدُونَ ثَلَاثَةَ تَشَهُّدَاتٍ.
أَمَّا حُكْمُ الْمَسْأَلَةِ: فَهُوَ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَمُخْتَصَرُهُ: أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُصَلِّيَ بِالطَّائِفَةِ الْأُولَى رَكْعَتَيْنِ، وَبِالثَّانِيَةِ رَكْعَةً، وَيَجُوزُ عَكْسُهُ، وَأَيُّهُمَا أَفْضَلُ؟ فِيهِ طَرِيقَانِ الْمَشْهُورُ: قَوْلَانِ أصحهما أَنْ يُصَلِّيَ بِالْأُولَى رَكْعَتَيْنِ وَبِالثَّانِيَةِ رَكْعَةً والثاني: عَكْسُهُ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ وَدَاوُد وَالطَّرِيقُ الثاني بِالْأُولَى رَكْعَتَيْنِ - قَوْلًا وَاحِدًا - وَنَقَلَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ عَنْ عَامَّةِ الْأَصْحَابِ. فَإِنْ قُلْنَا: بِالْأُولَى رَكْعَةً فَارَقَتْهُ إذَا قَامَ إلَى الثَّانِيَةِ، وَأَتَمَّتْ لِأَنْفُسِهَا، كَمَا ذَكَرْنَاهُ فِي ذَاتِ الرَّكْعَتَيْنِ، وَإِنْ قُلْنَا: بِالْأُولَى رَكْعَتَيْنِ جَازَ أَنْ يَنْتَظِرَهُمْ فِي التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ وَجَازَ فِي قِيَامِ الثالثة: وَأَيُّهُمَا أَفْضَلُ؟ فِيهِ قَوْلَانِ: أصحهما بِاتِّفَاقِهِمْ الِانْتِظَارُ فِي الْقِيَامِ، وَعَلَى هَذَا هَلْ يَقْرَأُ فِي الْقِيَامِ الْفَاتِحَةَ وَمَا بَعْدَهَا أَمْ لَا يَقْرَأُ وَاشْتَغَلَ بِالذِّكْرِ؟ فِيهِ الْخِلَافُ السَّابِقُ فِي ذَاتِ الرَّكْعَتَيْنِ، وَلَا خِلَافَ أَنَّ الطَّائِفَةَ الْأُولَى لَا تُفَارِقُهُ إلَّا بَعْدَ التَّشَهُّدِ؛ لِأَنَّهُ مَوْضِعُ تَشَهُّدِهِمْ، وَهَلْ تُفَارِقُهُ الطَّائِفَةُ الثَّانِيَةُ عَقِبَ سُجُودِهِ فِي الثالثة:؟ أَمْ عَقِبَ التَّشَهُّدِ؟ فِيهِ الْخِلَافُ السَّابِقُ فِيمَا إذَا كَانَتْ الصَّلَاةُ رَكْعَتَيْنِ، وَكَذَا الْخِلَافُ فِي أَنَّهُ يَتَشَهَّدُ فِي حَالِ انْتِظَارِهِمْ، قَالَ أَصْحَابُنَا: وَإِذَا قلنا: يَنْتَظِرُهُمْ فِي التَّشَهُّدِ انْتَظَرَهُمْ حَتَّى يُحْرِمُوا خَلْفَهُ ثُمَّ يَقُومُ مُكَبِّرًا، قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَغَيْرُهُ: وَيُكَبِّرُونَ مُتَابَعَةً لَهُ، قَالُوا: وَإِنَّمَا قُلْنَا: يَنْتَظِرُهُمْ جَالِسًا حَتَّى يُحْرِمُوا لِيُدْرِكُوا مَعَهُ الرَّكْعَةَ مِنْ أَوَّلِهَا كَمَا أَدْرَكَتْهَا الطَّائِفَةُ الْأُولَى مِنْ أَوَّلِهَا.
قال المصنف رحمه الله تعالى:"وَإِنْ كَانَتْ الصَّلَاةُ ظُهْرًا أَوْ عَصْرًا أَوْ عِشَاءً وَكَانَ فِي الْحَضَرِ صَلَّى بِكُلِّ طَائِفَةٍ رَكْعَتَيْنِ، وَإِنْ جَعَلَهُمْ أَرْبَعَ فِرَقٍ وَصَلَّى بِكُلِّ طَائِفَةٍ رَكْعَةً فَفِي صَلَاةِ الْإِمَامِ قَوْلَانِ: أحدهما: أَنَّهَا تَبْطُلُ؛ لِأَنَّ الرُّخْصَةَ وَرَدَتْ بِانْتِظَارَيْنِ، فَلَا تَجُوزُ الزِّيَادَةُ عَلَيْهِمَا والثاني: أَنَّهَا لَا تَبْطُلُ، وَهُوَ الْأَصَحُّ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَحْتَاجُ إلَى أَرْبَعِ انْتِظَارَاتٍ بِأَنْ يَكُونَ الْمُسْلِمُونَ أَرْبَعَمِائَةٍ، وَالْعَدُوُّ سِتَّمِائَةٍ فَتَحْتَاجُ أَنْ يَقِفَ بِإِزَاءِ الْعَدُوِّ ثَلَاثُمِائَةٍ وَيُصَلِّيَ بِمِائَةٍ مِائَةٍ، وَلِأَنَّ الِانْتِظَارَ الثَّالِثَ وَالرَّابِعَ بِالْقِيَامِ وَالْقِرَاءَةِ وَالْجُلُوسِ وَالذِّكْرِ وَذَلِكَ لَا يُبْطِلُ الصَّلَاةَ. فَإِنْ قُلْنَا: إنَّ صَلَاةَ الْإِمَامِ لَا تَبْطُلُ صَحَّتْ صَلَاةُ الطَّائِفَةِ الْأَخِيرَةِ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يُفَارِقُوا الْإِمَامَ، وَالطَّائِفَةُ الْأُولَى وَالثَّانِيَةُ وَالثالثة: فَارَقُوهُ بِغَيْرِ عُذْرٍ وَمَنْ فَارَقَ الْإِمَامَ بِغَيْرِ عُذْرٍ فَفِي بُطْلَانِ صَلَاتِهِ قَوْلَانِ فَإِنْ قُلْنَا: إنَّ صَلَاةَ الْإِمَامِ تَبْطُلُ فَفِي وَقْتِ بُطْلَانِهَا وَجْهَانِ، وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ: تَبْطُلُ بِالِانْتِظَارِ الثَّالِثِ فَتَصِحُّ صَلَاةُ الطَّائِفَةِ الْأُولَى وَالثَّانِيَةِ وَالثالثة:، وَأَمَّا الرَّابِعَةُ فَإِنْ عَلِمُوا بِبُطْلَانِ صَلَاتِهِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُمْ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمُوا لَمْ تَبْطُلْ، وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: الْمَنْصُوصُ أَنَّهُ تَبْطُلُ صَلَاةُ الْإِمَامِ بِالِانْتِظَارِ الثَّانِي؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم انْتَظَرَ الطَّائِفَةَ الْأُولَى حَتَّى فَرَغَتْ وَرَجَعَتْ إلَى وَجْهِ الْعَدُوِّ، وَجَاءَتْ الطَّائِفَةُ الْأُخْرَى وَانْتَظَرَ بِقَدْرِ مَا أَتَمَّتْ صَلَاتَهَا، وَهَذَا قَدْ زَادَ عَلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ انْتَظَرَ الطَّائِفَةَ الْأُولَى حَتَّى أَتَمَّتْ صَلَاتَهَا، وَمَضَتْ"