ج / 4 ص -206- قَالَ أَصْحَابُنَا: وَفِعْلُ الصَّلَاةِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ عَلَى اخْتِلَافِ الرِّوَايَتَيْنِ لَيْسَ وَاجِبًا، بَلْ مَنْدُوبٌ، فَلَوْ صَلَّى الْإِمَامُ بِبَعْضِهِمْ كُلَّ الصَّلَاةِ وَبِالْبَاقِينَ غَيْرُهُ أَوْ صَلَّى بَعْضُهُمْ أَوْ كُلُّهُمْ مُنْفَرِدِينَ جَازَ بِلَا خِلَافٍ، لَكِنْ كَانَتْ الصَّحَابَةُ رضي الله عنهم لَا يَسْمَحُونَ بِتَرْكِ الْجَمَاعَةِ لِعِظَمِ فَضْلِهَا فَسُنَّتْ لَهُمْ هَذِهِ الصِّفَةُ لِيَحْصُلَ لِكُلِّ طَائِفَةِ حَظٌّ مِنْ الْجَمَاعَةِ، وَالْوُقُوفِ قُبَالَةَ الْعَدُوِّ، وَتَخْتَصُّ الْأُولَى بِفَضِيلَةِ إدْرَاكِ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ، وَالثَّانِيَةُ بِفَضِيلَةِ السَّلَامِ مَعَهُ. قَالَ أَصْحَابُنَا: وَإِنَّمَا تُسْتَحَبُّ هَذِهِ الصَّلَاةُ إذَا كَانَ الْعَدُوُّ فِي غَيْرِ جِهَةِ الْقِبْلَةِ أَوْ فِيهَا وَبَيْنَ الْمُسْلِمِينَ حَائِلٌ يَمْنَعُهُمْ لَوْ هَجَمُوا.
قال المصنف رحمه الله تعالى:"وَتُفَارِقُ الطَّائِفَةُ الْأُولَى الْإِمَامَ حُكْمًا وَفِعْلًا، فَإِنْ لَحِقَهَا سَهْوٌ بَعْدَ الْمُفَارَقَةِ لَهَا يَتَحَمَّلُ عَنْهُمْ الْإِمَامُ وَإِنْ سَهَا الْإِمَامُ لَمْ يَلْزَمْهُمْ سَهْوُهُ، وَهَلْ يَقْرَأُ الْإِمَامُ فِي حَالِ انْتِظَارِهِ؟ قَالَ فِي مَوْضِعٍ"إذَا جَاءَتْ الطَّائِفَةُ الثَّانِيَةُ قَرَأَ"وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ"يُطِيلُ الْقِرَاءَةَ حَتَّى تُدْرِكَهُ الطَّائِفَةُ الثَّانِيَةُ"فَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ: فِيهِ قَوْلَانِ: أحدهما: لَا يَقْرَأُ حَتَّى تَجِيءَ الطَّائِفَةُ الثَّانِيَةُ فَيَقْرَأَ مَعَهَا؛ لِأَنَّهُ قَرَأَ مَعَ الطَّائِفَةِ الْأُولَى قِرَاءَةً تَامَّةً فَيَجِبُ أَنْ يَقْرَأَ مَعَ الثَّانِيَةِ أَيْضًا قِرَاءَةً تَامَّةً وَالْقَوْلُ الثاني: أَنَّهُ يَقْرَأُ، وَهُوَ الْأَصَحُّ؛ لِأَنَّ أَفْعَالَ الصَّلَاةِ لَا تَخْلُو مِنْ ذِكْرٍ. وَالْقِيَامُ لَا يَصْلُحُ لِذِكْرٍ غَيْرِ الْقِرَاءَةِ، فَوَجَبَ أَنْ يَقْرَأَ. وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ: إنْ أَرَادَ أَنْ يَقْرَأَ سُورَةً قَصِيرَةً لَمْ يَقْرَأ حَتَّى لَا يُفَوِّتَ الْقِرَاءَةَ عَلَى الطَّائِفَةِ الثَّانِيَةِ، وَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَقْرَأَ سُورَةً طَوِيلَةً قَرَأَ؛ لِأَنَّهُ لَا يُفَوِّتُ عَلَيْهِمْ الْقِرَاءَةَ، وَحَمَلَ الْقَوْلَيْنِ عَلَى هَذَيْنِ الْحَالَيْنِ. وَأَمَّا الطَّائِفَةُ الثَّانِيَةُ فَإِنَّهُمْ يُفَارِقُونَ الْإِمَام فِعْلًا، وَلَا يُفَارِقُونَهُ حُكْمًا، فَإِنْ سَهَوْا تَحَمَّلَ عَنْهُمْ الْإِمَامُ، وَإِنْ سَهَا الْإِمَامُ لَزِمَهُمْ سَهْوُهُ، وَمَتَى يُفَارِقُونَهُ؟ قَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله: فِي سُجُودِ السَّهْوِ يُفَارِقُونَهُ بَعْدَ التَّشَهُّدِ؛ لِأَنَّ الْمَسْبُوقَ لَا يُفَارِقُ الْإِمَامَ إلَّا بَعْدَ التَّشَهُّدِ. وَقَالَ فِي الْأُمِّ: (يُفَارِقُونَهُ عَقِيبَ السُّجُودِ فِي الثَّانِيَةِ) ، وَهُوَ الْأَصَحُّ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ أَخَفُّ، وَيُفَارِقُ الْمَسْبُوقَ؛ لِأَنَّ الْمَسْبُوقَ لَا يُفَارِقُ حَتَّى يُسَلِّمَ الْإِمَامُ وَهَذَا يُفَارِقُ قَبْلَ التَّسْلِيمِ، فَإِذَا قلنا: بِهَذَا فَهَلْ يَتَشَهَّدُ الْإِمَامُ فِي حَالِ الِانْتِظَارِ؟ فِيهِ طَرِيقَانِ. مِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ: فِيهِ قَوْلَانِ كَالْقِرَاءَةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: يَتَشَهَّدُ - قَوْلًا وَاحِدًا - وَيُخَالِفُ الْقِرَاءَةَ، فَإِنَّهُ فِي الْقِرَاءَةِ قَدْ قَرَأَ مَعَ الطَّائِفَةِ الْأُولَى فَلَمْ يَقْرَأْ حَتَّى تُدْرِكَهُ الطَّائِفَةُ الثَّانِيَةُ فَيَقْرَأَ مَعَهَا وَالتَّشَهُّدُ لَمْ يَفْعَلْهُ مَعَ الطَّائِفَةِ الْأُولَى فَلَا يَنْتَظِرُ".
الشرح: قَالَ أَصْحَابُنَا: إذَا قَامَتْ الطَّائِفَةُ الْأُولَى مَعَ الْإِمَامِ مِنْ سَجْدَتَيْ الرَّكْعَةِ الْأُولَى نَوَوْا مُفَارِقِينَ إذَا انْتَصَبُوا قِيَامًا، وَلَوْ فَارَقُوهُ بَعْدَ رَفْعِ الرَّأْسِ مِنْ السَّجْدَتَيْنِ جَازَ، لَكِنَّ الْأَوَّلَ أَفْضَلُ لِيَسْتَمِرَّ عَلَيْهِمْ حُكْمُ الْجَمَاعَةِ حَالَةَ النُّهُوضِ، وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ نِيَّةِ الْمُفَارَقَةِ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْقُدْوَةِ مُسْتَمِرٌّ مَا لَمْ يَنْوِ الْمُفَارَقَةَ، وَلَا يَجُوزُ لِلْمُقْتَدِي سَبْقُ الْإِمَامِ، فَإِذَا فَارَقُوهُ خَرَجُوا عَنْ حُكْمِ الْقُدْوَةِ فِي كُلِّ شَيْءٍ فَلَا يَلْحَقُهُمْ سَهْوُهُ، وَلَا يَحْمِلُ سَهْوَهُمْ، وقول المصنف: وَالْأَصْحَابِ: يُفَارِقُونَهُ حُكْمًا وَفِعْلًا أَرَادُوا بِقَوْلِهِمْ حُكْمًا أَنَّهُ لَا يَحْمِلُ سَهْوَهُمْ، وَلَا يَلْحَقُهُمْ سَهْوُهُ، وَلَا يَسْجُدُونَ لِتِلَاوَتِهِ، وَلَا غَيْرَ ذَلِكَ مِمَّا يَلْتَزِمُهُ الْمَأْمُومُ، وَأَرَادُوا بِقَوْلِهِمْ وَفِعْلًا أَنَّهُمْ يُصَلُّونَ الرَّكْعَةَ الثَّانِيَةَ مُنْفَرِدِينَ، مُسْتَقِلِّينَ بِفِعْلِهَا.
وَذَكَرَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْخُرَاسَانِيِّينَ فِي الْوَقْتِ الَّذِي يَنْقَطِعُ بِهِ حُكْمُ الطَّائِفَةِ الْأُولَى عَنْ حُكْمِ الْإِمَامِ، وَلَا يَحْمِلُ سَهْوَهُمْ، وَلَا يَلْحَقُهُمْ سَهْوُهُ وَجْهَيْنِ: أحدهما: إذْ انْتَصَبَ الْإِمَامُ قَائِمًا والثاني: إذَا رَفَعَ رَأْسَهُ