فهرس الكتاب

الصفحة 1486 من 4102

ج / 4 ص -205- خَوْفٍ فَفِي الْخَوْفِ أَوْلَى، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ: أَنَّهَا لَا تُنْدَبُ عَلَى هَذِهِ الْهَيْئَةِ إلَّا بِهَذِهِ الشُّرُوطِ الثَّلَاثَةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

وَأَمَّا النَّوْعُ الثاني: فَهُوَ صَلَاةُ ذَاتِ الرِّقَاعِ فَمُعْظَمُ مَسَائِلِ الْبَابِ فِيهَا فَتَكُونُ ثَلَاثَةً، تَارَةً رَكْعَتَيْنِ صُبْحًا أَوْ مَقْصُورَةً، وَتَارَةً ثَلَاثًا وَهِيَ الْمَغْرِبُ. وَتَارَةً أَرْبَعًا إذَا لَمْ تُقْصَرْ، فَإِنْ كَانَتْ رَكْعَتَيْنِ فَرَّقَ الْإِمَامُ النَّاسَ فِرْقَتَيْنِ، فِرْقَةً تَقِفُ فِي مُقَابَلَةِ الْعَدُوِّ؛ وَفِرْقَةً يَنْحَدِرُ بِهَا الْإِمَامُ إلَى حَيْثُ لَا يَلْحَقُهُمْ سِهَامُ الْعَدُوِّ، فَيُحْرِمُ بِهِمْ وَيُصَلِّي رَكْعَةً؛ وَهَذَا الْقَدْرُ اتَّفَقَتْ عَلَيْهِ رِوَايَاتُ الْحَدِيثِ وَنُصُوصُ الشَّافِعِيِّ وَالْأَصْحَابِ، وَفِيمَا يَفْعَلُ بَعْدَ ذَلِكَ رِوَايَتَانِ فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ.

إحداهما: أَنَّهُ إذَا قَامَ الْإِمَامُ إلَى الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ نَوَى الْمُقْتَدِي الْخُرُوجَ مِنْ مُتَابَعَتِهِ وَصَلَّوْا لِأَنْفُسِهِمْ الرَّكْعَةَ الثَّانِيَةَ وَتَشَهَّدُوا وَسَلَّمُوا وَذَهَبُوا إلَى وَجْهِ الْعَدُوِّ وَجَاءَ الْآخَرُونَ فَأَحْرَمُوا خَلْفَهُ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ، وَأَطَالَهَا حَتَّى يَلْحَقُوهُ وَيَقْرَءُوا الْفَاتِحَةَ، ثُمَّ يَرْكَعَ بِهِمْ وَيَسْجُدَ، فَإِذَا جَلَسَ لِلتَّشَهُّدِ قَامُوا فَصَلَّوْا ثَانِيَتَهُمْ وَانْتَظَرَهُمْ فَإِذَا لَحِقُوهُ سَلَّمَ بِهِمْ، هَذِهِ رِوَايَةُ سَهْلِ بْنِ أَبِي خَيْثَمَةَ الْمَذْكُورِ فِي الْكِتَابِ عَنْ صَالِحِ بْنِ خَوَّاتٍ، وَهِيَ فِي صَحِيحَيْ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ.

وَالثَّانِيَةُ: أَنَّ الْإِمَامَ إذَا قَامَ إلَى الثَّانِيَةِ لَا يُتِمُّ الْمُقْتَدُونَ بِهِ الصَّلَاةَ، بَلْ يَذْهَبُونَ إلَى مَكَانِ إخْوَانِهِمْ فَيَقِفُونَ قُبَالَةَ الْعَدُوِّ وَهُمْ فِي الصَّلَاةِ، وَيَقِفُونَ سُكُوتًا وَتَجِيءُ الطَّائِفَةُ الْأُخْرَى فَيُصَلِّي بِهِمْ الْإِمَامُ رَكْعَتَهُ الثَّانِيَةَ، فَإِذَا سَلَّمَ ذَهَبُوا إلَى وَجْهِ الْعَدُوِّ وَجَاءَ الْأَوَّلُونَ إلَى مَكَانِ صَلَاةِ الْإِمَامِ فَصَلَّوْا الرَّكْعَةَ الْبَاقِيَةَ عَلَيْهِمْ. ثُمَّ ذَهَبُوا إلَى وَجْهِ الْعَدُوِّ وَجَاءَ الْآخَرُونَ إلَى مَكَانِ الصَّلَاةِ فَصَلَّوْا رَكْعَتَهُمْ الْبَاقِيَةَ وَسَلَّمُوا. وَهَذِهِ رِوَايَةُ ابْنِ عُمَر عَنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم هَكَذَا حَكَاهُ أَصْحَابُنَا عَنْ رِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ، وَهِيَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ ابْن عُمَرَ لَكِنَّ لَفْظَ رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم رَكَعَ بِمَنْ مَعَهُ وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ ثُمَّ انْصَرَفُوا مَكَانَ الطَّائِفَةِ الَّتِي لَمْ تُصَلِّ، فَجَاءُوا فَرَكَعَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِهِمْ رَكْعَةً وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ، فَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فَرَكَعَ لِنَفْسِهِ رَكْعَةً وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ"وَلَفْظُ رِوَايَةِ مُسْلِمٍ"أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم صَلَّى بِإِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ رَكْعَةً ثُمَّ انْصَرَفُوا فَقَامُوا مَقَامَ أَصْحَابِهِمْ وَجَاءَ أُولَئِكَ ثُمَّ صَلَّى بِهِمْ النَّبِيُّ رَكْعَةً ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ قَضَى هَؤُلَاءِ رَكْعَةً وَهَؤُلَاءِ رَكْعَةً"وَاخْتَارَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ الرِّوَايَةَ الْأُولَى رِوَايَةَ سَهْلٍ؛ لِأَنَّهَا أَحْوَطُ لِأَمْرِ الْحَرْبِ، وَلِأَنَّهَا أَقَلُّ مُخَالَفَةً لِقَاعِدَةِ الصَّلَاةِ، وَهَلْ تَصِحُّ الصَّلَاةُ عَلَى وَفْقِ رِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ؟ فِيهِ قَوْلَانِ حَكَاهُمَا الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْبَنْدَنِيجِيّ وَجَمَاعَاتٌ مِنْ الْخُرَاسَانِيِّينَ.

أحدهما: لَا تَصِحُّ لِكَثْرَةِ الْأَفْعَالِ فِيهَا بِلَا ضَرُورَةٍ احْتِرَازًا مِنْ صَلَاةِ شِدَّةِ الْخَوْفِ، وَزَعَمَ الْمُحْتَجُّ بِهَذَا الْقَوْلِ أَنَّ رِوَايَةَ ابْنِ عُمَرَ مَنْسُوخَةٌ. الْقَوْلُ الثاني: وَهُوَ الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ: صِحَّةُ الصَّلَاةِ لِصِحَّةِ الْحَدِيثِ وَعَدَمِ مُعَارَضَتِهِ، فَإِنَّ رِوَايَةَ سَهْلٍ لَا تُعَارِضُهُ فَكَانَتْ هَذِهِ فِي يَوْمٍ وَتِلْكَ فِي يَوْمٍ آخَرَ، وَدَعْوَى الْأَوَّلِ النَّسْخَ بَاطِلَةٌ؛ لِأَنَّهُ مُحْتَاجٌ إلَى مَعْرِفَةِ التَّارِيخِ، وَتَعَذُّرِ الْجَمْعِ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ، وَلَيْسَ هُنَا وَاحِدٌ مِنْهُمَا، وَهَذَا الْقَوْلُ نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي الْجَدِيدِ فِي كِتَابِ الرِّسَالَةِ، وَأَمَّا قَوْلُ الْغَزَالِيِّ: قَالَهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا، وَهُوَ بَعِيدٌ فَغَلِطَ فِي شَيْئَيْنِ: أحدهما: نِسْبَتُهُ إلَى بَعْضِ الْأَصْحَابِ والثاني: تَضْعِيفُهُ، وَالصَّوَابُ أَنَّهُ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ الْجَدِيدُ الصَّحِيحُ، وَاخْتَارَ أَبُو حَنِيفَةَ رِوَايَةَ ابْنِ عُمَرَ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت