ج / 4 ص -207- مِنْ السَّجْدَتَيْنِ، فَعَلَى هَذَا لَوْ رَفْع رَأْسَهُ مِنْ السُّجُودِ وَهُمْ فِيهِ فَسَهَوْا فِيهِ لَمْ يَحْمِلْهُ، وَنَقَلَ الرَّافِعِيُّ الْوَجْهَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: وَلَكَ أَنْ تَقُولَ: قَدْ نَصُّوا عَلَى أَنَّهُمْ يَنْوُونَ الْمُفَارَقَةَ عِنْدَ رَفْعِ الرَّأْسِ وَالِانْتِصَابِ، فَلَا مَعْنَى لِلْخِلَافِ فِي وَقْتِ الِانْقِطَاعِ، بَلْ يَنْبَغِي أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى وَقْتِ نِيَّةِ الْمُفَارَقَةِ وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ الرَّافِعِيُّ مُتَعَيِّنٌ لَا يَجُوزُ غَيْرُهُ.
وَأَمَّا الطَّائِفَةُ الثَّانِيَةُ: فَسَهْوُهَا فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى لَهَا - الَّتِي هِيَ ثَانِيَةُ الْإِمَامِ - مَحْمُولٌ؛ لِأَنَّهُمْ فِي قُدْوَةٍ حَقِيقَةً، وَفِي سَهْوِهِمْ فِي رَكْعَتِهِمْ الثَّانِيَةِ الَّتِي يَأْتُونَ بِهَا وَالْإِمَامُ يَنْتَظِرُهُمْ فِي الْجُلُوسِ وَجْهَانِ مَشْهُورَانِ، حَكَاهُمَا الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْبَنْدَنِيجِيّ وَغَيْرُهُمَا: أحدهما: لَا يَحْمِلُهُ لِمُفَارَقَتِهِمْ لَهُ فِي الْفِعْلِ، وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ سُرَيْجٍ وَأَبِي عَلِيِّ بْنِ خَيْرَانَ، فَعَلَى هَذَا لَا يَلْزَمُهُمْ سَهْوُهُ فِي حَالِ انْتِظَارِهِ لَهُمْ وأصحهما، وَهُوَ قَوْلُ عَامَّةِ أَصْحَابِنَا الْمُتَقَدِّمِينَ، وَهُوَ الْمَنْصُوصُ، وَبِهِ قَطَعَ الْمُصَنِّفُ وَالْأَكْثَرُونَ: يَحْمِلُهُ وَيَلْحَقُهُمْ سَهْوُهُ، وَلِأَنَّهُمْ فِي حُكْمِ الْقُدْوَةِ، وَهُوَ مُنْتَظِرٌ لَهُمْ كَسَهْوِهِمْ فِي سَجْدَةٍ رَفَعَ الْإِمَامُ مِنْهَا، وَيُعَبَّرُ عَنْ الْوَجْهَيْنِ بِأَنَّهُمْ يُفَارِقُونَهُ حُكْمًا أَمْ لَا؟ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُمْ لَا يُفَارِقُونَهُ حُكْمًا. قَالُوا: وَيَجْرِي الْوَجْهَانِ فِي الْمَزْحُومِ فِي الْجُمُعَةِ إذَا سَهَا فِي وَقْتِ تَخَلُّفِهِ، وَأَجْرُوهُمَا فِيمَنْ صَلَّى مُنْفَرِدًا فَسَهَا، ثُمَّ نَوَى الِاقْتِدَاءَ فِي أَثْنَائِهَا وَجَوَّزْنَاهُ وَأَتَمَّهَا مَأْمُومًا، وَاسْتَبْعَدَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ إجْرَاءَهُمَا هُنَا وَقَالَ: الْوَجْهُ الْقَطْعُ بِأَنَّ حُكْمَ السَّهْوِ لَا يَرْتَفِعُ بِالْقُدْوَةِ اللَّاحِقَةِ، وَهَذَا هُوَ الْأَظْهَرُ هُنَا.
وَاعْلَمْ أَنَّ سَهْوَ الْإِمَامِ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى يَلْحَقُ الطَّائِفِينَ فَتَسْجُدُ لَهُ الطَّائِفَةُ الْأُولَى إذَا تَمَّتْ صَلَاتُهَا، فَإِنْ سَهَا بَعْضُهُمْ فِي رَكْعَتِهِ الثَّانِيَةِ فَهَلْ يَقْتَصِرُ عَلَى سَجْدَتَيْنِ أَمْ يَسْجُدُ أَرْبَعًا لِكَوْنِهِ سَهَا فِي حَالِ قُدْوَةٍ وَفِي حَالِ انْفِرَادٍ؟ فِيهِ الْوَجْهَانِ السَّابِقَانِ فِي بَابِ سُجُودِ السَّهْوِ أصحهما: سَجْدَتَانِ. قَالَ صَاحِبُ الْبَيَانِ: فَإِنْ قلنا: سَجْدَتَانِ فَعَنْ مَاذَا تَصِحَّانِ؟ فِيهِ الْأَوْجُهُ الثَّلَاثَةُ السَّابِقَةُ فِي بَابِ سُجُودِ السَّهْوِ أحدها: تَقَعَانِ عَنْ سَهْوِهِ وَيَكُونُ سَهْوُ إمَامِهِ تَابِعًا والثاني: عَكْسُهُ وَأَصَحُّهَا: يَقَعَانِ عَنْهُمَا. وَتَظْهَرُ فَائِدَةُ الْخِلَافِ فِيمَا لَوْ نَوَى خِلَافَ مَا جَعَلْنَاهُ مَقْصُودًا. قَالَ أَصْحَابُنَا: ثُمَّ إذَا قَامَ الْإِمَامُ إلَى الثَّانِيَةِ هَلْ يَقْرَأُ فِي حَالِ انْتِظَارِهِ فَرَاغَ الْأُولَى وَمَجِيءَ الثَّانِيَةِ؟ فِيهِ نَصَّانِ لِلشَّافِعِيِّ، قَالَ فِي الْإِمْلَاءِ: يَقْرَأُ وَيُطِيلُ الْقِرَاءَةَ فَإِذَا جَاءَتْ الطَّائِفَةُ الثَّانِيَةُ قَرَأَ مَعَهَا فَاتِحَةَ الْكِتَابِ وَسُورَةً قَصِيرَةً. وَقَالَ فِي الْأُمِّ: لَا يَقْرَأُ بَلْ يُسَبِّحُ وَيَذْكُرُ اللَّهَ تَعَالَى حَتَّى تَأْتِيَ الطَّائِفَةُ الثَّانِيَةُ، هَذَانِ نَصَّانِ، وَلِلْأَصْحَابِ فِيهِمَا ثَلَاثُ طُرُقٍ، أَصَحُّهَا وَأَشْهُرُهَا وَبِهِ قَطَعَ الْمُصَنِّفُ فِي التَّنْبِيهِ وَآخَرُونَ: فِيهِ قَوْلَانِ أَصَحُّهُمَا بِاتِّفَاقِهِمْ تُسْتَحَبُّ الْقِرَاءَةُ، فَيَقْرَأُ الْفَاتِحَةَ وَبَعْدَهَا سُورَةً طَوِيلَةً حَتَّى تَجِيءَ الطَّائِفَةُ الثَّانِيَةُ، فَإِذَا جَاءَتْ قَرَأَ مِنْ السُّورَةِ قَدْرَ الْفَاتِحَةِ وَسُورَةً قَصِيرَةً لِتَحْصُلَ لَهُمْ قِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ وَشَيْءٌ مِنْ زَمَنِ السُّورَةِ، وَدَلِيلُ هَذَا الْقَوْلِ أَنَّ الصَّلَاةَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى أَنْ لَا سُكُوتَ فِيهَا، فَيَنْبَغِي أَنْ يَقْرَأَ؛ لِأَنَّ الْقِيَامَ لَا يُشْرَعُ فِيهِ إلَّا الْقِرَاءَةُ وَالْقَوْلُ الثاني: يُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يَقْرَأَ حَتَّى تَجِيءَ الطَّائِفَةُ الثَّانِيَةُ؛ لِأَنَّهُ قَرَأَ مَعَ الْأُولَى الْفَاتِحَةَ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَقْرَأَهَا أَيْضًا مَعَ الثَّانِيَةِ، وَلَا يُشْرَعُ غَيْرُ الْفَاتِحَةِ قَبْلَهَا. وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ: يَشْتَغِلُ بِمَا شَاءَ مِنْ الذِّكْرِ كَالتَّسْبِيحِ وَغَيْرِهِ.