ج / 1 ص -17- الْأَئِمَّةِ فِيهِ وَإِنْشَادِ الْعَرَبِ فِيهِ فِي"تهذيب الأسماء واللغات"، فَمِنْ الْأَبْيَاتِ قَوْلُ عُمَرَ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ:
وَلَوْ تَفَلَتْ فِي الْبَحْرِ وَالْبَحْرُ مَالِحٌ لَأَصْبَحَ مَاءُ الْبَحْرِ مِنْ رِيقِهَا عَذْبًا1.
وَقَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ حَازِمٍ:
تَلَوَّنْتَ أَلْوَانًا عَلَيَّ كَثِيرَةً وَخَالَطَ عَذْبًا مِنْ إخَائِكِ مَالِحٌ
فَهَذَا هُوَ الْجَوَابُ الَّذِي نَخْتَارُهُ وَنَعْتَقِدُهُ، وَذَكَرَ أَصْحَابُنَا جَوَابَيْنِ أَحَدُهُمَا: هَذَا وَالثَّانِي: أَنَّ هَذِهِ الْعِبَارَةَ لَيْسَتْ لِلشَّافِعِيِّ، بَلْ لِلْمُزَنِيِّ، وَعِبَارَةُ الشَّافِعِيِّ فِي الْأُمِّ: عَذْبٌ أَوْ أُجَاجٌ، وَهَذَا الْجَوَابُ: ضَعِيفٌ جِدًّا لِوَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْمُزَنِيَّ ثِقَةٌ، وَقَدْ نَقَلَهُ عَنْ الشَّافِعِيِّ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِ ذَكَرَ فِي"الأم"عِبَارَةً أَنْ لَا يَذْكُرَ غَيْرَهَا فِي مَوْضِعٍ آخَرَ وَلَا أَنْ لَا يَسْمَعَهَا الْمُزَنِيّ شِفَاهًا، وَالثَّانِي: أَنَّ هَذَا الْجَوَابَ يَتَضَمَّنُ تَغْلِيطَ الْمُزَنِيِّ فِي النَّقْلِ، وَنِسْبَتَهُ إلَى اللَّحْنِ، وَلَا ضَرُورَةَ بِنَا إلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا، ثُمَّ وَجَدْتُ فِي رِسَالَةٍ لِلْبَيْهَقِيِّ إلَى الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيِّ: أَنَّ أَكْثَرَ أَصْحَابِنَا يَنْسِبُونَ الْمُزَنِيَّ فِي هَذَا إلَى الْغَلَطِ، وَيَزْعُمُونَ أَنَّ هَذِهِ اللَّفْظَةَ لَمْ تُوجَدْ لَلشَّافِعِيِّ.
قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: وَقَدْ سَمَّى الشَّافِعِيُّ الْبَحْرَ مَالِحًا فِي كِتَابَيْنِ: أَحَدُهُمَا: فِي أَمَالِي الْحَجِّ فِي مسألة:كَوْنِ صَيْدِ الْبَحْرِ حَلَالًا لِلْمُحْرِمِ وَالثَّانِي: فِي الْمَنَاسِكِ الْكَبِيرِ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ .
قَالَ الْمُصَنِّفُ - رحمه الله تعالى:وَلَا يُكْرَهُ مِنْ ذَلِكَ إلَّا مَا قُصِدَ إلَى تَشْمِيسِهِ فَإِنَّهُ يُكْرَهُ الْوُضُوءُ بِهِ، وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ: لَا يُكْرَهُ كَمَا لَا يُكْرَهُ2 بِمَاءٍ تَشَمَّسَ فِي الْبِرَكِ وَالْأَنْهَارِ، وَالْمَذْهَبُ: الْأَوَّلُ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ مَا رُوِيَ:"أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ لِعَائِشَةَ وَقَدْ سَخَّنَتْ مَاءً بِالشَّمْسِ"يَا حُمَيْرَاءُ لَا تَفْعَلِي هَذَا، فَإِنَّهُ يُورِثُ الْبَرَصَ"وَيُخَالِفُ 3 مَاءَ الْبِرَكِ وَالْأَنْهَارِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُمْكِنُ حِفْظُهُ مِنْ الشَّمْسِ، وَلَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ الْمَنْعُ ."
الشرح: هَذَا الْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ ضَعِيفٌ بِاتِّفَاقِ الْمُحَدِّثِينَ، وَقَدْ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طُرُقٍ وَبَيَّنَ ضَعْفَهَا كُلَّهَا، وَمِنْهُمْ مَنْ يَجْعَلُهُ مَوْضُوعًا، وَقَدْ رَوَى الشَّافِعِيُّ فِي"الأم"بِإِسْنَادِهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رضي الله عنه أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ الِاغْتِسَالَ بِالْمَاءِ الْمُشَمَّسِ وَقَالَ: إنَّهُ يُورِثُ الْبَرَصَ، وَهَذَا ضَعِيفٌ أَيْضًا بِاتِّفَاقِ الْمُحَدِّثِينَ، فَإِنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ إبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي يَحْيَى، وَقَدْ اتَّفَقُوا عَلَى تَضْعِيفِهِ وَجَرَّحُوهُ. وَبَيَّنُوا أَسْبَابَ الْجَرْحِ إلَّا الشَّافِعِيَّ - رحمه الله - فَإِنَّهُ وَثَّقَهُ، فَحَصَلَ مِنْ هَذَا: أَنَّ الْمُشَمَّسَ لَا أَصْلَ لِكَرَاهَتِهِ، وَلَمْ يَثْبُتْ عَنْ الْأَطِبَّاءِ فِيهِ شَيْءٌ، فَالصَّوَابُ: الْجَزْمُ بِأَنَّهُ لَا كَرَاهَةَ فِيهِ وَهَذَا هُوَ الْوَجْهُ الَّذِي حَكَاهُ الْمُصَنِّفُ وَضَعَّفَهُ. وَكَذَا ضَعَّفَهُ غَيْرُهُ وَلَيْسَ بِضَعِيفٍ، بَلْ هُوَ الصَّوَابُ الْمُوَافِقُ لِلدَّلِيلِ وَلِنَصِّ الشَّافِعِيِّ، فَإِنَّهُ قَالَ فِي الْأُمِّ: لَا أَكْرَهُ الْمُشَمَّسَ إلَّا أَنْ يُكْرَهَ مِنْ جِهَةِ الطِّبِّ، كَذَا رَأَيْتُهُ فِي الْأُمِّ، وَكَذَا نَقَلَهُ الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادِهِ فِي كِتَابِهِ مَعْرِفَةُ السُّنَنِ وَالْآثَارِ عَنْ الشَّافِعِيِّ، وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي مُخْتَصَرِ الْمُزَنِيِّ:"إلَّا مِنْ جِهَةِ الطِّبِّ لِكَرَاهَةِ عُمَرَ لِذَلِكَ وَقَوْلِهِ: إنَّهُ يُورِثُ"
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 فتشت في ديوانه فلم أجده (ط)
2 في المطبوعة (لايكره ما تشمس الخ ) (ط)
3 ما بين المعكوفتين من نسخة الراكبي (ط)