ج / 1 ص -16- الصَّحِيحِ الْمَذْكُورِ فِي الْفصل:"هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ"وَمَعْلُومٌ أَنَّهُمْ: سَأَلُوا عَنْ تَطْهِيرِ مَاءِ الْبَحْرِ لَا عَنْ طَهَارَتِهِ وَلَوْلَا أَنَّهُمْ يَفْهَمُونَ مِنْ الطَّهُورِ الْمُطَهِّرَ لَمْ يَحْصُلْ الْجَوَابُ، وَقَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم:"طَهُورُ إنَاءِ أَحَدِكُمْ إذَا وَلَغَ فِيهِ الْكَلْبُ أَنْ يَغْسِلَهُ سَبْعًا"رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَيْ مُطَهِّرُهُ، وَقَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم:"جُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا"رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ مِنْ رِوَايَةِ حُذَيْفَةَ، وَالْمُرَادُ مُطَهِّرَةٌ وَبِكَوْنِهَا مُطَهِّرَةً اُخْتُصَّتْ هَذِهِ الْأُمَّةُ لَا بِكَوْنِهَا طَاهِرَةً،
فَإِنْ قِيلَ: يُرَدُّ عَلَيْكُمْ حَدِيثُ:"الْمَاءُ طَهُورٌ"قُلْنَا: لَا نُسَلِّمُ كَوْنَهُ مُخَالِفًا، وَأَجَابَ أَصْحَابُنَا عَنْ قوله تعالى: {شَرَابًا طَهُورًا} [الإنسان:21] بِأَنَّهُ تَعَالَى وَصَفَهُ بِأَعْلَى الصِّفَاتِ وَهِيَ التَّطْهِيرُ، وَكَذَا قَوْلُ جَرِيرٍ حُجَّةٌ لَنَا؛ لِأَنَّهُ قَصَدَ تَفْضِيلَهُنَّ عَلَى سَائِرِ النِّسَاءِ، فَوَصَفَ رِيقَهُنَّ بِأَنَّهُ مُطَهِّرٌ يُتَطَهَّرُ بِهِ لِكَمَالِهِنَّ وَطِيبِ رِيقِهِنَّ وَامْتِيَازِهِ عَلَى غَيْرِهِ، وَلَا يَصِحُّ حَمْلُهُ عَلَى ظَاهِرِهِ، فَإِنَّهُ لَا مَزِيَّةَ لَهُنَّ فِي ذَلِكَ، فَإِنَّ كُلَّ النِّسَاءِ رِيقُهُنَّ طَاهِرٌ، بَلْ الْبَقَرُ وَالْغَنَمُ وَكُلُّ حَيَوَانٍ - غَيْرَ الْكَلْبِ وَالْخِنْزِيرِ، وَفَرْعِ أَحَدِهِمَا - رِيقُهُ طَاهِرٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
فرع: قَالَ أَصْحَابُنَا: حَدِيثُ بِئْرِ بُضَاعَةَ لَا يُخَالِفُ حَدِيثَ الْقُلَّتَيْنِ؛ لِأَنَّ مَاءَهَا كَانَ كَثِيرًا لَا يُغَيِّرُهُ وُقُوعُ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ فِيهِ، قَالَ أَبُو دَاوُد السِّجِسْتَانِيُّ فِي سُنَنِهِ سَمِعْتُ قُتَيْبَةَ بْنَ سَعِيدٍ يَقُولُ: سَأَلْتُ قَيِّمَ بِئْرِ بُضَاعَةَ عَنْ عُمْقِهَا قَالَ: أَكْثَرُ مَا يَكُونُ الْمَاءُ فِيهَا إلَى الْعَانَةِ قُلْت: فَإِذَا نَقَصَ ؟ قَالَ: دُونَ الْعَوْرَةِ قَالَ أَبُو دَاوُد: قَدَّرْتُ بِئْرَ بُضَاعَةَ بِرِدَائِي مَدَدْتُهُ عَلَيْهَا، ثُمَّ ذَرَعْتُهُ، فَإِذَا عَرْضُهَا سِتُّ أَذْرُعٍ، وَقَالَ لِي الَّذِي فَتَحَ لِي الْبَابَ يَعْنِي بَابَ الْبُسْتَانِ الَّذِي هِيَ فِيهِ لَمْ يُغَيَّرْ بِنَاؤُهَا عَمَّا كَانَتْ عَلَيْهِ، قَالَ: وَرَأَيْتُ فِيهَا مَاءً مُتَغَيِّرَ اللَّوْنِ. قَوْلُهُ: مُتَغَيِّرَ اللَّوْنِ يَعْنِي بِطُولِ الْمُكْثِ وَبِأَصْلِ الْمَنْبَعِ لَا بِشَيْءٍ أَجْنَبِيٍّ، وَهَذِهِ صِفَتُهَا فِي زَمَنِ أَبِي دَاوُد، لَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ كَانَتْ هَكَذَا فِي زَمَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم .
وَاعْلَمْ أَنَّ حَدِيثَ بِئْرِ بُضَاعَةَ عَامٌّ مَخْصُوصٌ خُصَّ مِنْهُ الْمُتَغَيِّرُ بِنَجَاسَةٍ فَإِنَّهُ نَجِسٌ لِلْإِجْمَاعِ، وَخُصَّ مِنْهُ أَيْضًا مَا دُونَ قُلَّتَيْنِ إذَا لَاقَتْهُ نَجَاسَةٌ كَمَا سَنُوَضِّحُهُ فِي مَوْضِعِهِ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، فَالْمُرَادُ: الْمَاءُ الْكَثِيرُ الَّذِي لَمْ تُغَيِّرْهُ نَجَاسَةٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ، وَهَذِهِ كَانَتْ صِفَةُ بِئْرِ بُضَاعَةَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
فرع: قَوْلُهُ: مَاءُ الْأَبْآرِ وَهُوَ بِإِسْكَانِ الْبَاءِ وَبَعْدَهَا هَمْزَةٌ، وَمِنْ الْعَرَبِ مَنْ يَقُولُ: آبَارٌ بِهَمْزَةٍ مَمْدُودَةٍ فِي أَوَّلِهِ وَفَتْحِ الْبَاءِ وَلَا هَمْزَةَ بَعْدَهَا، وَهُوَ جَمْعُ بِئْرٍ جَمْعَ قِلَّةٍ، وَيُجْمَعُ أَيْضًا فِي الْقِلَّةِ أَبْؤُرٌ بِإِسْكَانِ الْبَاءِ وَبَعْدَهَا هَمْزَةٌ مَضْمُومَةٌ، وَفِي الْكَثْرَةِ بِئَارٌ بِكَسْرِ الْبَاءِ وَبَعْدَهَا هَمْزَةٌ، وَالْبِئْرُ مُؤَنَّثَةٌ مَهْمُوزَةٌ يَجُوزُ تَخْفِيفُهَا بِقَلْبِ الْهَمْزَةِ يَاءً.
فرع: قَالَ الْمُزَنِيّ فِي الْمُخْتَصَرِ: قَالَ الشَّافِعِيُّ: فَكُلُّ مَاءٍ مِنْ بَحْرٍ عَذْبٍ أَوْ مَالِحٍ أَوْ بِئْرٍ أَوْ سَمَاءٍ أَوْ ثَلْجٍ أَوْ بَرَدٍ مُسَخَّنٍ وَغَيْرِ مُسَخَّنٍ فَسَوَاءٌ وَالتَّطَهُّرُ بِهِ جَائِزٌ، وَاعْتُرِضَ عَلَيْهِ وَقَالُوا: مَالِحٌ خَطَأٌ وَصَوَابُهُ: مِلْحٌ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ} [ الفرقان:53] .
وَالْجَوَابُ: أَنَّ هَذَا الِاعْتِرَاضَ جَهَالَةٌ مِنْ قَائِلِهِ، بَلْ فِيهِ أَرْبَعُ لُغَاتٍ مَاءٌ مِلْحٌ وَمَالِحٌ وَمَلِيحٌ وَمُلَاحٌ بِضَمِّ الْمِيمِ وَتَخْفِيفِ اللَّامِ، حَكَاهُنَّ الْخَطَّابِيُّ وَآخَرُونَ مِنْ الْأَئِمَّةِ، وَقَدْ جَمَعْتُ ذَلِكَ بِدَلَائِلِهِ وَأَقْوَالِ