فهرس الكتاب

الصفحة 142 من 4102

ج / 1 ص -13- وَأَمَّا قَوْلُهُ نَزَلَ مِنْ السَّمَاءِ أَوْ نَبَعَ مِنْ الْأَرْضِ، فَكَذَا قَالَهُ غَيْرُهُ وَاعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأَنَّ الْكُلَّ مِنْ السَّمَاءِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {أَنْزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ} [الزمر:21] وَالْجَوَابُ مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا: الْمُرَادُ بِنَبَعَ مَا نُشَاهِدُهُ يَنْبُعُ، وَلِهَذَا فَسَّرَهُ بِهِ فَقَالَ: وَمَا نَبَعَ مِنْ الْأَرْضِ مَاءُ الْبِحَارُ إلَى آخِرِهِ، وَالثَّانِي: لَيْسَ فِي الْآيَةِ أَنَّ كُلَّ الْمَاءِ نَزَلَ مِنْ السَّمَاءِ؛ لِأَنَّهُ نَكِرَةٌ فِي الْإِثْبَاتِ وَمَعْلُومٌ: أَنَّهَا لَا تَعُمُّ، وَيُقَالُ: نَبَعَ يَنْبُعُ بِفَتْحِ الْبَاءِ فِي الْمُضَارِعِ وَضَمِّهَا وَكَسْرِهَا، وَالْمَصْدَرُ نُبُوعٌ أَيْ خَرَجَ.

وَذَوْبُ الثَّلْجِ ذَائِبُهُ وَهُوَ مَصْدَرٌ، يُقَالُ: ذَابَ ذَوْبًا وَذَوَبَانًا وَأَذَبْتُهُ وَذَوَّبْتُهُ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ ذَوْبَ الثَّلْجِ وَالْبَرَدِ؛ لِأَنَّ فِي اسْتِعْمَالِهِمَا عَلَى حَالِهِمَا تَفْصِيلًا سَنَذْكُرُهُ فِي فَرْعٍ قَرِيبًا - إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى -، وَوَجْهُ الدَّلَالَةِ مِنْ الْآيَةِ لِمَا اسْتَدَلَّ بِهِ الْمُصَنِّفُ هُنَا: وَهُوَ جَوَازُ الطَّهَارَةِ بِمَاءِ السَّمَاءِ ظَاهِرٌ، وَهَذَا الْحُكْمُ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ، وَاعْتَرَضَ بَعْضُ الْغَالِطِينَ عَلَى الْفُقَهَاءِ بِاسْتِدْلَالِهِمْ بِهَا، وَقَالَ مَاءٌ نَكِرَةٌ وَلَا عُمُومَ لَهَا فِي الْإِثْبَاتِ.

وَالْجَوَابُ: أَنَّ هَذَا خَيَالٌ فَاسِدٌ، إنَّمَا ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى هَذَا امْتِنَانًا عَلَيْنَا، فَلَوْ لَمْ نَحْمِلْهُ عَلَى الْعُمُومِ لَفَاتَ الْمَطْلُوبُ، وَإِذَا دَلَّ دَلِيلٌ عَلَى إرَادَةِ الْعُمُومِ بِالنَّكِرَةِ فِي الْإِثْبَاتِ أَفَادَتْهُ، وَوَجَبَ حَمْلُهَا عَلَيْهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .

فَرْعٌ: قَالَ أَصْحَابُنَا إذَا اُسْتُعْمِلَ الثَّلْجُ وَالْبَرَدُ قَبْلَ إذَابَتِهِمَا، فَإِنْ كَانَ يَسِيلُ عَلَى الْعُضْوِ لِشِدَّةِ حَرٍّ وَحَرَارَةِ الْجِسْمِ وَرَخَاوَةِ الثَّلْجِ صَحَّ الْوُضُوءُ عَلَى الصَّحِيحِ، وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ لِحُصُولِ جَرَيَانِ الْمَاءِ عَلَى الْعُضْوِ، وَقِيلَ: لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى غُسْلًا، حَكَاهُ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ: أَقْضَى الْقُضَاةِ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَبِيبٍ الْمَاوَرْدِيُّ الْبَصْرِيُّ صَاحِبُ الْحَاوِي، وَأَبُو الْفَرَجِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ مُحَمَّدٍ الدَّارِمِيُّ صَاحِبُ الِاسْتِذْكَارِ، وَهُمَا مِنْ كِبَارِ أَئِمَّتِنَا الْعِرَاقِيِّينَ، وَعَزَاهُ الدَّارِمِيُّ إلَى أَبِي سَعِيدٍ الْإِصْطَخْرِيِّ، وَإِنْ كَانَ لَا يَسِيلُ لَمْ يَصِحَّ الْغُسْلُ بِلَا خِلَافٍ.

وَيَصِحُّ مَسْحُ الْمَمْسُوحِ وَهُوَ الرَّأْسُ وَالْخُفُّ وَالْجَبِيرَةُ، هَذَا مَذْهَبُنَا وَحَكَى أَصْحَابُنَا عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ جَوَازَ الْوُضُوءِ بِهِ وَإِنْ لَمْ يَسِلْ، وَيُجْزِيهِ فِي الْمَغْسُولِ وَالْمَمْسُوحِ وَهَذَا ضَعِيفٌ أَوْ بَاطِلٌ إنْ صَحَّ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى غُسْلًا وَلَا فِي مَعْنَاهُ، قَالَ الدَّارِمِيُّ: وَلَوْ كَانَ مَعَهُ ثَلْجٌ أَوْ بَرَدٌ لَا يَذُوبُ وَلَا يَجِدُ مَا يُسَخِّنُهُ بِهِ صَلَّى بِالتَّيَمُّمِ، وَفِي الْإِعَادَةِ أَوْجُهٌ ثَالِثُهَا: يُعِيدُ الْحَاضِرُ دُونَ الْمُسَافِرِ بِنَاءً عَلَى التَّيَمُّمِ لِشِدَّةِ الْبَرْدِ، وَوَجْهُ الْإِعَادَةِ ثَمَّ هَذَا الْحَالُ قُلْتُ أَصَحُّهَا: الثَّالِثُ.

فَرْعٌ: اسْتَدَلُّوا لِجَوَازِ الطَّهَارَةِ بِمَاءِ الثَّلْجِ وَالْبَرَدِ بِمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: رضي الله عنه"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَسْكُتُ بَيْنَ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ وَالْقِرَاءَةِ سَكْتَةً يَقُولُ فِيهَا أَشْيَاءَ مِنْهَا: اللَّهُمَّ اغْسِلْ خَطَايَايَ بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ وَفِي رِوَايَةٍ: بِمَاءِ الثَّلْجِ وَالْبَرَدِ".

قَالَ المصنف رحمه الله تعالى: ( وَمَا نَبَعَ مِنْ الْأَرْضِ مَاءُ الْبِحَارِ وَمَاءُ الْأَنْهَارِ وَمَاءُ الْآبَارِ، وَالْأَصْلُ فِيهِ: قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم فِي الْبَحْرِ"هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ"وَرُوِيَ:"أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم تَوَضَّأَ مِنْ بِئْرِ بُضَاعَةَ".

الشرح: هَذَانِ الْحَدِيثَانِ صَحِيحَانِ وَهُمَا بَعْضَانِ مِنْ حَدِيثَيْنِ، أَمَّا الْأَوَّلُ فَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت