ج / 1 ص -14-"سَأَلَ سَائِلٌ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّا نَرْكَبُ الْبَحْرَ، وَنَحْمِلُ مَعَنَا الْقَلِيلَ مِنْ الْمَاءِ، فَإِنْ تَوَضَّأْنَا بِهِ عَطِشْنَا، أَفَنَتَوَضَّأُ بِمَاءِ الْبَحْرِ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ: صلى الله عليه وسلم هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ"حَدِيثٌ صَحِيحٌ رَوَاهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيِّ وَغَيْرُهُمْ.
قَالَ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ: هُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ وَرُوِيَ"الْحِلُّ مَيْتَتُهُ"وَرُوِيَ"الْحَلَالُ"وَهُمَا بِمَعْنًى، وَالطَّهُورُ بِفَتْحِ الطَّاء، وَمَيْتَتُهُ بِفَتْحِ الْمِيم، وَاسْمُ السَّائِلِ عَنْ مَاءِ الْبَحْرِ عُبَيْدٌ وَقِيلَ: عَبْدٌ، وَأَمَّا قَوْلُ السَّمْعَانِيِّ فِي الْأَنْسَابِ: اسْمُهُ الْعَرَكِيُّ فَفِيهِ إيهَامُ أَنَّ الْعَرَكِيَّ اسْمُ عَلَمٍ لَهُ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ ثُمَّ الْعَرَكِيُّ وَصْفٌ لَهُ وَهُوَ مَلَّاحُ السَّفِينَةِ.
وَأَمَّا الثَّانِي فَرَوَى أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ رضي الله عنه قَالَ"قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتَتَوَضَّأُ مِنْ بِئْرِ بُضَاعَةَ وَهِيَ بِئْرٌ يُلْقَى فِيهَا الْحِيَضُ، وَلَحْمُ الْكِلَابِ وَالنَّتْنُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ: صلى الله عليه وسلم إنَّ الْمَاءَ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ"حَدِيثٌ صَحِيحٌ رَوَاهُ الْأَئِمَّةُ الَّذِينَ نَقَلْنَا عَنْهُمْ رِوَايَةَ الْأَوَّلِ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَقَوْلُهُ:"أَتَتَوَضَّأُ"بِتَاءَيْنِ مُثَنَّاتَيْنِ مِنْ فَوْقُ خِطَابٌ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مَعْنَاهُ: تَتَوَضَّأُ أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مِنْ هَذِهِ الْبِئْرِ وَتَسْتَعْمِلُ مَاءَهَا فِي وُضُوئِكَ مَعَ أَنَّ حَالَهَا مَا ذَكَرْنَاهُ، وَإِنَّمَا ضَبَطْتُ كَوْنَهُ بِالتَّاءِ لِئَلَّا يُصَحَّفَ، فَيُقَالَ: أَنَتَوَضَّأُ بِالنُّونِ، وَقَدْ رَأَيْتُ مَنْ صَحَّفَهُ وَاسْتَبْعَدَ كَوْنَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم تَوَضَّأَ مِنْهَا. وَهَذَا غَلَطٌ فَاحِشٌ، وَقَدْ جَاءَ التَّصْرِيحُ بِوُضُوءِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مِنْهَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ طُرُقٍ كَثِيرَةٍ، ذَكَرَهَا الْبَيْهَقِيُّ فِي السُّنَنِ الْكَبِيرِ وَرَوَاهَا آخَرُونَ غَيْرُهُ.
وَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُد قَالَ:"سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُقَالُ لَهُ: إنَّهُ يُسْتَقَى لَكَ مِنْ بِئْرِ بُضَاعَةَ، وَهِيَ بِئْرٌ يُلْقَى فِيهَا لُحُومُ الْكِلَابِ"، وَهَذَا فِي مَعْنَى رِوَايَاتِ الْبَيْهَقِيّ وَغَيْرِهِ الْمُصَرِّحَةِ بِأَنَّهُ صلى الله عليه وسلم: تَوَضَّأَ مِنْهَا، وَلِهَذَا قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم"تَوَضَّأَ مِنْ بِئْرِ بُضَاعَةَ".
وَفِي رِوَايَةِ الشَّافِعِيِّ فِي مُخْتَصَرِ الْمُزَنِيِّ قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّكَ تَتَوَضَّأُ مِنْ بِئْرِ بُضَاعَةَ، وَذَكَرَ تَمَامَ الْحَدِيثِ، وَرَوَى النَّسَائِيُّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ:"مَرَرْتُ بِالنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ يَتَوَضَّأُ مِنْ بِئْرِ بُضَاعَةَ، فَقُلْتُ: أَتَتَوَضَّأُ مِنْهَا وَهِيَ يُطْرَحُ فِيهَا مَا يُكْرَهُ مِنْ النَّتْنِ، فَقَالَ: الْمَاءُ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ"، فَهَذِهِ الرِّوَايَةُ تَقْطَعُ كُلَّ شَكٍّ وَنِزَاعٍ.
وَبُضَاعَةُ بِضَمِّ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ، وَيُقَالُ بِكَسْرِهَا لُغَتَانِ مَشْهُورَتَانِ حَكَاهُمَا ابْنُ فَارِسٍ وَالْجَوْهَرِيُّ وَآخَرُونَ، وَالضَّمُّ أَشْهُرُ، وَلَمْ يَذْكُرْ جَمَاعَةٌ غَيْرَهُ. ثُمَّ قِيلَ: هُوَ اسْمٌ لِصَاحِبِ الْبِئْرِ وَقِيلَ: اسْمٌ لِمَوْضِعِهَا.
وَقَوْلُهُ: يُلْقَى فِيهَا الْحِيَضُ بِكَسْرِ الْحَاءِ وَفَتْحِ الْيَاءِ، وَفِي رِوَايَةٍ الْمَحَايِضُ وَمَعْنَاهُ: الْخِرَقُ الَّتِي يُمْسَحُ بِهَا دَمُ الْحَيْضِ، قَالَهُ الْأَزْهَرِيُّ وَغَيْرُهُ، قَالَ الْإِمَامُ أَبُو سُلَيْمَانَ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ بْنِ الْخَطَّابِ الْخَطَّابِيُّ: لَمْ يَكُنْ إلْقَاءُ الْمَحِيضِ فِيهَا تَعَمُّدًا مِنْ آدَمِيٍّ، بَلْ كَانَتْ الْبِئْرُ فِي حَدُورٍ، وَالسُّيُولُ تَكْسَحُ الْأَقْذَارَ مِنْ الْأَفْنِيَةِ وَتُلْقِيهَا فِيهَا، وَلَا يُؤَثِّرُ فِي الْمَاءِ لِكَثْرَتِهِ، وَكَذَا ذَكَرَ نَحْوَ هَذَا الْمَعْنَى آخَرُونَ، وَقِيلَ: كَانَتْ الرِّيحُ تُلْقِي الْحِيَضَ فِيهَا حَكَاهُ صَاحِبُ"الحاوي"وَغَيْرُهُ، وَيَجُوزُ: أَنْ يَكُونَ السَّيْلُ وَالرِّيحُ يُلْقِيَانِ، قَالَ صَاحِبُ الشَّامِلِ: وَيَجُوزُ أَنَّ الْمُنَافِقِينَ كَانُوا يُلْقُونَ ذَلِكَ.