ج / 1 ص -12- النَّحْوِيِّينَ، وَقَدْ ذَكَرَ صَاحِبُ الْمُحْكَمِ لُغَةً أُخْرَى فِيهِ أَنْ يُقَالَ: مَاهٍ عَلَى الْأَصْلِ، وَهَذَا يُبْطِلُ دَعْوَى لُزُومِ الْإِبْدَالِ.
وَإِنَّمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ: مِيَاهٌ وَأَتَى بِجَمْعِ الْكَثْرَةِ؛ لِأَنَّ أَنْوَاعَ الْمَاءِ زَائِدَةٌ عَلَى الْعَشَرَةِ، فَإِنَّهُ طَاهِرٌ وَطَهُورٌ وَنَجَسٌ، وَالطَّهُورُ يَنْقَسِمُ إلَى مَاءِ السَّمَاءِ وَمَاءِ الْأَرْضِ، وَمَاءُ السَّمَاءِ يَنْقَسِمُ إلَى مَطَرٍ وَذَوْبِ ثَلْجٍ وَبَرَدٍ، وَمَاءُ الْأَرْضِ إلَى مَاءِ أَنْهَارٍ وَبِحَارٍ وَآبَارٍ وَمُشَمَّسٍ وَمُسَخَّنٍ وَمُتَغَيِّرٍ بِالْمُكْثِ، وَبِمَا لَا يُمْكِنُ صَوْنُهُ مِنْهُ وَبِالتُّرَابِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَنْوَاعِهِ، وَيَنْقَسِمُ الطَّاهِرُ وَالنَّجِسُ أَقْسَامًا مَعْرُوفَةً.
وَبَدَأَ الْمُصَنِّفُ بِكِتَابِ الطَّهَارَةِ ثُمَّ بَابِ الْمِيَاهِ، وَكَذَا فَعَلَهُ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ وَكَثِيرُونَ مِنْ الْعُلَمَاءِ لِمُنَاسَبَةٍ حَسَنَةٍ، ذَكَرَهَا صَاحِبُ التَّتِمَّةِ وَهُوَ أَبُو سَعِيدٍ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْمَأْمُونِ الْمُتَوَلِّي، قَالَ: بَدَأْنَا بِذَلِكَ لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ شَهَادَةِ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ وَالْحَجِّ وَصَوْمِ رَمَضَانَ"، وَفِي رِوَايَةٍ"وَصَوْمِ رَمَضَانَ وَالْحَجِّ"رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ، فَبَدَأَ صلى الله عليه وسلم بَعْدَ الْإِيمَانِ بِالصَّلَاةِ، وَالْعَرَبُ تَبْدَأُ بِالْأَهَمِّ فَكَانَ تَقْدِيمُ الصَّلَاةِ أَهَمَّ."
وَأَمَّا التَّوْحِيدُ فَلَهُ كُتُبٌ مُسْتَقِلَّةٌ، وَهُوَ عِلْمُ الْكَلَامِ وَقَدَّمُوا الصَّوْمَ عَلَى الْحَجِّ؛ لِأَنَّهُ جَاءَ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ؛ وَلِأَنَّهُ أَعَمُّ وُجُوبًا مِنْ الْحَجِّ، فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَى كَثِيرِينَ مِمَّنْ لَا حَجَّ عَلَيْهِ، وَيَجِبُ أَيْضًا عَلَى الْفَوْرِ وَيَتَكَرَّرُ وَإِذَا ثَبَتَ تَقْدِيمُ الصَّلَاةِ فَيَنْبَغِي تَقْدِيمُ مُقَدِّمَاتِهَا، وَمِنْهَا الطَّهَارَةُ ثُمَّ مِنْ الطَّهَارَةِ أَهَمُّهَا وَالْأَصْلُ فِيهَا، وَهُوَ الْمَاءُ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ .
قَالَ الْمُصَنِّفُ - رحمه الله: يَجُوزُ رَفْعُ الْحَدَثِ وَإِزَالَةُ النَّجَسِ بِالْمَاءِ الْمُطْلَقِ، وَهُوَ مَا نَزَلَ مِنْ السَّمَاءِ أَوْ نَبَعَ مِنْ الْأَرْضِ، فَمَا نَزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءُ الْمَطَرِ وَذَوْبُ الثَّلْجِ وَالْبَرَدِ وَالْأَصْلُ فِيهِ: قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ {وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ} [الأنفال:11]
الشرح: قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ {وَيُنَزِّلُ} قُرِئَ بِالتَّشْدِيدِ وَالتَّخْفِيفِ قِرَاءَتَانِ فِي السَّبْعِ، وَالنَّجَسُ: بِفَتْحِ الْجِيمِ هُوَ عَيْنُ النَّجَاسَةِ كَالْبَوْلِ وَنَحْوِهِ، وَأَمَّا الْمَاءُ الْمُطْلَقُ فَالصَّحِيحُ فِي حَدِّهِ أَنَّهُ الْعَارِي عَنْ الْإِضَافَةِ اللَّازِمَةِ، وَإِنْ شِئْتَ قُلْتَ: هُوَ مَا كَفَى فِي تَعْرِيفِهِ اسْمُ مَاءٍ، وَهَذَا الْحَدُّ نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ - رحمه الله - فِي الْبُوَيْطِيِّ، وَقِيلَ: هُوَ الْبَاقِي عَلَى وَصْفِ خِلْقَتِهِ وَغَلَّطُوا قَائِلَهُ؛ لِأَنَّهُ يَخْرُجُ عَنْهُ الْمُتَغَيِّرُ بِمَا يَتَعَذَّرُ صَوْنُهُ عَنْهُ أَوْ بِمُكْثٍ أَوْ تُرَابٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
وَاخْتَلَفُوا فِي الْمُسْتَعْمَلِ، هَلْ هُوَ مُطْلَقٌ أَمْ لَا عَلَى وَجْهَيْنِ أَصَحُّهُمَا: وَبِهِ قَطَعَ الْمُصَنِّفُ فِي بَابِ مَا يُفْسِدُ الْمَاءَ مِنْ الِاسْتِعْمَالِ وَآخَرُونَ مِنْ مُحَقِّقِي أَصْحَابِنَا: أَنَّهُ لَيْسَ بِمُطْلَقٍ وَالثَّانِي: أَنَّهُ مُطْلَقٌ، وَبِهِ قَطَعَ ابْنُ الْقَاصِّ فِي التَّلْخِيصِ وَالْقَفَّالُ فِي شَرْحِهِ وَقَالَ صَاحِبُ التَّقْرِيبِ ابْنُ الْقَفَّالِ الشَّاشِيِّ: الصَّحِيحُ أَنَّهُ مُطْلَقٌ مُنِعَ اسْتِعْمَالُهُ تَعَبُّدًا.
قَالَ الْقَفَّالُ: وَكَوْنُهُ مُسْتَعْمَلًا لَا يُخْرِجُهُ عَنْ الْإِطْلَاقِ؛ لِأَنَّ الِاسْتِعْمَالَ نَعْتٌ كَالْحَرَارَةِ وَالْبُرُودَةِ، وَإِنَّمَا يُخْرِجُهُ عَنْ الْإِطْلَاقِ مَا يُضَافُ إلَيْهِ كَمَاءِ الزَّعْفَرَانِ، وَسُمِّيَ الْمُطْلَقُ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّهُ إذَا أُطْلِقَ الْمَاءُ انْصَرَفَ إلَيْهِ.