ج / 4 ص -51- قال المصنف رحمه الله تعالى:"وَسُجُودُ السَّهْوِ سُنَّةٌ لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ:"كَانَتْ الرَّكْعَةُ نَافِلَةً لَهُ وَالسَّجْدَتَانِ"وَلِأَنَّهُ فِعْلٌ؛ لِمَا لَا يَجِبُ فَلَا يَجِبُ".
الشرح: سَبَقَ بَيَانُ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ، وَسُجُودُ السَّهْوِ سُنَّةٌ عِنْدَنَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: هُوَ وَاجِبٌ يَأْثَمُ بِتَرْكِهِ، وَلَيْسَ بِشَرْطٍ لِصِحَّةِ الصَّلَاةِ. وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ: هُوَ سُنَّةٌ كَقَوْلِنَا. وَقَالَ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ الْمَالِكِيُّ: الَّذِي يَقْتَضِيهِ مَذْهَبُنَا أَنَّهُ وَاجِبٌ فِي سَهْوِ النُّقْصَانِ، وَأَوْجَبَهُ أَحْمَدُ فِي الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ.
قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ: مَذْهَبُنَا أَنَّهُ سُنَّةٌ لَيْسَ بِوَاجِبٍ، وَبِهِ قَالَ الْعُلَمَاءُ كَافَّةً إلَّا مَالِكًا فَأَوْجَبَهُ، وَاخْتَارَهُ الْكَرْخِيُّ الْحَنَفِيُّ وَحَكَاهُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ قَالَ: لَكِنْ لَيْسَ هُوَ شَرْطًا لِصِحَّةِ الصَّلَاةِ. وَقَالَ مَالِكٌ: إنْ كَانَ السَّهْوُ لِنَقْصٍ وَسَلَّمَ وَلَمْ يَسْجُدْ حَتَّى طَالَ الْفصل:لَزِمَهُ اسْتِئْنَافُ الصَّلَاةِ.
قَالَ المصنف رحمه الله تعالى:"وَمَحَلُّهُ قَبْلَ السَّلَامِ لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ وَحَدِيثِ ابْنِ بُحَيْنَةَ، وَلِأَنَّهُ يُفْعَلُ لِإِصْلَاحِ الصَّلَاةِ فَكَانَ قَبْلَ السَّلَامِ، كَمَا لَوْ نَسِيَ سَجْدَةً مِنْ الصَّلَاةِ. وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ: فِيهِ قَوْلٌ آخَرُ أَنَّهُ إنْ كَانَ السَّهْوُ زِيَادَةً كَانَ مَحَلُّهُ بَعْدَ السَّلَامِ. وَالْمَشْهُورُ هُوَ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّ بِالزِّيَادَةِ يَدْخُلُ النَّقْصُ فِي صَلَاتِهِ كَمَا يَدْخُلُ بِالنُّقْصَانِ، فَإِنْ لَمْ يَسْجُدْ حَتَّى سَلَّمَ فَلَمْ يَتَطَاوَلْ الْفصل:سَجَدَ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم صَلَّى خَمْسًا وَسَلَّمَ ثُمَّ سَجَدَ، وَإِنْ طَالَ فَفِيهِ قَوْلَانِ أحدهما: يَسْجُدُ؛ لِأَنَّهُ جُبْرَانٌ فَلَمْ يَسْقُطْ بِالتَّطَاوُلِ كَجُبْرَانِ الْحَجِّ. وَقَالَ فِي الْجَدِيدِ: لَا يَسْجُدُ، وَهُوَ الْأَصَحُّ؛ لِأَنَّهُ يُفْعَلُ لِتَكْمِيلِ الصَّلَاةِ، فَلَمْ يُفْعَلُ بَعْدَ تَطَاوُلِ الْفَصْلِ، كَمَا لَوْ نَسِيَ سَجْدَةً مِنْ الصَّلَاةِ فَذَكَرَهَا بَعْدَ السَّلَامِ وَبَعْدَ تَطَاوُلِ الْفَصْلِ، وَكَيْفَ يَسْجُدُ بَعْدَ السَّلَامِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ. قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ الْقَاصِّ: يَسْجُدُ ثُمَّ يَتَشَهَّدُ؛ لِأَنَّ السُّجُودَ فِي الصَّلَاةِ بَعْدَهُ تَشَهُّدٌ فَكَذَلِكَ هَذَا، وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: لَا يَتَشَهَّدُ، وَهُوَ الْأَصَحُّ؛ لِأَنَّ الَّذِي تُرِكَ هُوَ السُّجُودُ فَلَا يُعِيدُ مَعَهُ غَيْرَهُ".
الشرح: حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ وَابْنِ بُحَيْنَةَ سَبَقَ بَيَانُهُمَا وَحَدِيثُ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم صَلَّى خَمْسًا وَسَلَّمَ ثُمَّ سَجَدَ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه.
أَمَّا حُكْمُ الْفصل:مَحَلِّ سُجُودِ السَّهْوِ طَرِيقَانِ حَكَاهُمَا إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَآخَرُونَ أحدهما: فِي الْمَسْأَلَةِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: الصَّحِيحُ مِنْهَا: أَنَّهُ قَبْلَ السَّلَامِ، فَإِنْ أَخَّرَهُ لَمْ يُعْتَدَّ بِهِ والثاني: إنْ كَانَ السَّهْوُ زِيَادَةً فَمَحَلُّهُ بَعْدَ السَّلَامِ، وَإِنْ كَانَ نَقْصًا فَقَبْلَهُ وَلَا يُعْتَدُّ بِهِ بَعْدَهُ والثالث: إنْ شَاءَ قَدَّمَهُ وَإِنْ شَاءَ أَخَّرَهُ وَهُمَا سَوَاءٌ. وَالطَّرِيقُ الثَّانِي يُجْزِئُ التَّقْدِيمُ وَالتَّأْخِيرُ وَإِنَّمَا الْأَقْوَالُ فِي بَيَانِ الْأَفْضَلِ فَفِي قَوْلٍ التَّقْدِيمُ أَفْضَلُ، وَفِي قَوْلٍ التَّقْدِيمُ وَالتَّأْخِيرُ سَوَاءٌ فِي الْفَضِيلَةِ، وَفِي قَوْلٍ إنْ كَانَ زِيَادَةً فَالتَّأْخِيرُ أَفْضَلُ، وَإِلَّا فَالتَّقْدِيمُ.
قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَوَجْهُ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ صِحَّةُ الْأَخْبَارِ فِي التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ. قَالَ: وَالطَّرِيقَةُ الْمَشْهُورَةُ الْأُولَى وَتُحْمَلُ الْأَقْوَالُ فِي الْإِجْزَاءِ وَالْجَوَازِ كَمَا سَبَقَ هَذَا كَلَامُ الْإِمَامِ وَقَالَ صَاحِبُ الْحَاوِي: لَا خِلَافَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ، يَعْنِي جَمِيعَ الْعُلَمَاءِ أَنَّ سُجُودَ السَّهْوِ جَائِزٌ قَبْلَ السَّلَامِ وَبَعْدَهُ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي الْمَسْنُونِ وَالْأَوْلَى، فَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَمَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْقَدِيمِ وَالْجَدِيدِ أَنَّ الْأَوْلَى فِعْلُهُ قَبْلَ