ج / 1 ص -142- مُعْتَقَدِي أَنَّ الْأَقْوَالَ الْقَدِيمَةَ لَيْسَتْ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ حَيْثُ كَانَتْ؛ لِأَنَّهُ جَزَمَ فِي الْجَدِيدِ بِخِلَافِهَا، وَالْمَرْجُوعُ عَنْهُ لَيْسَ مَذْهَبًا لِلرَّاجِعِ؛ فَإِذَا عَلِمْت حَالَ الْقَدِيمِ وَوَجَدْنَا أَصْحَابَنَا أَفْتَوْا بِهَذِهِ الْمَسَائِلِ عَلَى الْقَدِيمِ، حَمَلْنَا ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ أَدَّاهُمْ اجْتِهَادُهُمْ إلَى الْقَدِيمِ، لِظُهُورِ دَلِيلِهِ وَهُمْ مُجْتَهِدُونَ، فَأَفْتَوْا بِهِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ نِسْبَتُهُ إلَى الشَّافِعِيِّ، وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْ الْمُتَقَدِّمِينَ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ أَنَّهَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، أَوْ أَنَّهُ اسْتَثْنَاهَا. قَالَ أَبُو عَمْرٍو: فَيَكُونُ اخْتِيَارُ أَحَدِهِمْ لِلْقَدِيمِ فِيهَا مِنْ قَبِيلِ اخْتِيَارِهِ مَذْهَبَ غَيْرِ الشَّافِعِيَّ إذَا أَدَّاهُ اجْتِهَادُهُ إلَيْهِ، فَإِنَّهُ إنْ كَانَ ذَا اجْتِهَادٍ اُتُّبِعَ اجْتِهَادُهُ، وَإِنْ كَانَ اجْتِهَادُهُ مُقَيَّدًا مَشُوبًا بِتَقْلِيدٍ، نَقَلَ ذَلِكَ الشَّوْبَ مِنْ التَّقْلِيدِ عَنْ ذَلِكَ الْإِمَامِ، وَإِذَا أَفْتَى بَيَّنَ ذَلِكَ فِي فَتْوَاهُ، فَيَقُولُ: مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ كَذَا، وَلَكِنِّي أَقُولُ: بِمَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ وَهُوَ كَذَا.
قَالَ أَبُو عَمْرٍو: وَيَلْتَحِقُ بِذَلِكَ مَا إذَا اخْتَارَ أَحَدُهُمْ الْقَوْلَ الْمُخَرَّجَ عَلَى الْقَوْلِ الْمَنْصُوصِ، أَوْ اخْتَارَ مِنْ قَوْلَيْنِ رَجَّحَ الشَّافِعِيُّ أَحَدَهُمَا غَيْرَ مَا رَجَّحَهُ، بَلْ هَذَا أَوْلَى مِنْ الْقَدِيمِ. قَالَ: ثُمَّ حُكْمُ مَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلًا لِلتَّرْجِيحِ أَنْ لَا يَتَّبِعُوا شَيْئًا مِنْ اخْتِيَارَاتِهِمْ الْمَذْكُورَةِ؛ لِأَنَّهُ مُقَلِّدٌ لِلشَّافِعِيِّ دُونَ غَيْرِهِ. قَالَ: وَإِذَا لَمْ يَكُنْ اخْتِيَارُهُ لِغَيْرِ مَذْهَبِ إمَامِهِ بَنَى عَلَى اجْتِهَادٍ، فَإِنْ تَرَكَ مَذْهَبَهُ إلَى أَسْهَلَ مِنْهُ فَالصَّحِيحُ: تَحْرِيمُهُ، وَإِنْ تَرَكَهُ إلَى أَحْوَطَ، فَالظَّاهِرُ جَوَازُهُ، وَعَلَيْهِ بَيَانُ ذَلِكَ فِي فَتْوَاهُ. هَذَا كَلَامُ أَبِي عَمْرٍو. فَالْحَاصِلُ أَنَّ مَنْ لَيْسَ أَهْلًا لِلتَّخْرِيجِ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ الْعَمَلُ وَالْإِفْتَاءُ بِالْجَدِيدِ مِنْ غَيْرِ اسْتِثْنَاءٍ، وَمَنْ هُوَ أَهْلٌ لِلتَّخْرِيجِ وَالِاجْتِهَادِ فِي الْمَذْهَبِ يَلْزَمُهُ اتِّبَاعُ مَا اقْتَضَاهُ الدَّلِيلُ فِي الْعَمَلِ وَالْفُتْيَا، مُبَيِّنًا فِي فَتْوَاهُ: أَنَّ هَذَا رَأْيُهُ وَأَنَّ مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ كَذَا، وَهُوَ مَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي"الْجَدِيدِ".
هَذَا كُلُّهُ فِي قَدِيمٍ لَمْ يَعْضُدْهُ حَدِيثٌ صَحِيحٌ، أَمَّا قَدِيمٌ عَضَدَهُ نَصُّ حَدِيثٍ صَحِيحٍ لَا مُعَارِضَ لَهُ، فَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ - رحمه الله - وَمَنْسُوبٌ إلَيْهِ إذَا