ج / 1 ص -133- وَآخَرُونَ: هَذَا الْمَذْهَبَ عَنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ وَلَمْ يَنْسِبُوهُ، وَعَزَاهُ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ الْمُصَنِّفُ فِي التَّبْصِرَةِ إلَى الْأُسْتَاذِ أَبِي إِسْحَاقَ، وَالصَّوَابُ: الْأَوَّلُ، وَأَنَّهُ يُحْتَجُّ بِهِ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّ رِوَايَتَهُمْ عَنْ غَيْرِ الصَّحَابِيِّ نَادِرَةٌ، وَإِذَا رَوَوْهَا بَيَّنُوهَا، فَإِذَا أَطْلَقُوا ذَلِكَ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ عَنْ الصَّحَابَةِ، وَالصَّحَابَةُ كُلُّهُمْ عُدُولٌ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
فَهَذِهِ أَلْفَاظٌ وَجِيزَةٌ فِي الْمُرْسَلِ، وَهِيَ وَإِنْ كَانَتْ مُخْتَصَرَةً بِالنِّسْبَةِ إلَى غَيْرِهَا فَهِيَ مَبْسُوطَةٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى هَذَا الْمَوْضِعِ، فَإِنَّ بَسْطَ هَذَا الْفَنِّ لَيْسَ هَذَا مَوْضِعَهُ، وَلَكِنْ حَمَلَنِي عَلَى هَذَا النَّوْعِ الْيَسِيرِ مِنْ الْبَسْطِ أَنَّ مَعْرِفَةَ الْمُرْسَلِ مِمَّا يَعْظُمُ الِانْتِفَاعُ بِهَا، وَيَكْثُرُ الِاحْتِيَاجُ إلَيْهَا، وَلَا سِيَّمَا فِي مَذْهَبِنَا، خُصُوصًا هَذَا الْكِتَابَ الَّذِي شَرَعْتُ فِيهِ، أَسْأَلُ اللَّهَ الْكَرِيمَ إتْمَامَهُ1 عَلَى أَحْسَنِ الْوُجُوهِ وَأَتَمِّهَا، وَأَعْجَلِهَا، وَأَنْفَعِهَا فِي الْآخِرَةِ وَالدُّنْيَا، وَأَكْثَرِهَا انْتِفَاعًا بِهِ، وَأَعَمِّهَا فَائِدَةً لِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ، مَعَ أَنَّهُ قَدْ شَاعَ فِي السُّنَّةِ عَنْ كَثِيرِينَ مِنْ الْمُشْتَغِلِينَ بِمَذْهَبِنَا، بَلْ أَكْثَرُ أَهْلِ زَمَانِنَا أَنَّ الشَّافِعِيَّ - رحمه الله - لَا يَحْتَجُّ بِالْمُرْسَلِ مُطْلَقًا إلَّا مُرْسَلَ ابْنِ الْمُسَيِّبِ، فَإِنَّهُ يَحْتَجُّ بِهِ مُطْلَقًا، وَهَذَانِ غَلَطَانِ، فَإِنَّهُ لَا يَرُدُّهُ مُطْلَقًا وَلَا يَحْتَجُّ بِمُرْسَلِ ابْنِ الْمُسَيِّبِ مُطْلَقًا، بَلْ الصَّوَابُ مَا قَدَّمْنَاهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَلَهُ الْحَمْدُ وَالنِّعْمَةُ، وَالْفَضْلُ وَالْمِنَّةُ .
فَرْعٌ:
قَدْ اسْتَعْمَلَ الْمُصَنِّفُ فِي"المهذب"أَحَادِيثَ كَثِيرَةً مُرْسَلَةً وَاحْتَجَّ بِهَا، مَعَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الِاحْتِجَاجُ بِالْمُرْسَلِ، وَجَوَابُهُ: أَنَّ بَعْضَهَا اعْتَضَدَ بِأَحَدِ الْأُمُورِ الْمَذْكُورَةِ، فَصَارَ حُجَّةً، وَبَعْضَهَا ذَكَرَهُ لِلِاسْتِئْنَاسِ، وَيَكُونُ اعْتِمَادُهُ عَلَى غَيْرِهِ مِنْ قِيَاسٍ وَغَيْرِهِ، وَاعْلَمْ أَنَّهُ قَدْ ذَكَرَ فِي"المهذب"أَحَادِيثَ كَثِيرَةً جَعَلَهَا هُوَ مُرْسَلَةً وَلَيْسَتْ مُرْسَلَةً، بَلْ هِيَ مُسْنَدَةٌ صَحِيحَةٌ مَشْهُورَةٌ فِي"الصحيحين"وَكُتُبِ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 لعل الله استجاب دعاءه فإن كان كذلك فأرجو أن يتقبل الله هذا العمل مع قصوره وتقصير صاحبه وأن يغفر زلاته ويقيل عثراته آمين . [ط]