ج / 1 ص -123- فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ مُفْتٍ آخَرَ لَزِمَهُ الْأَخْذُ بِفُتْيَاهُ، وَلَا يَتَوَقَّفُ ذَلِكَ عَلَى الْتِزَامِهِ لَا بِالْأَخْذِ فِي الْعَمَلِ بِهِ وَلَا بِغَيْرِهِ، وَلَا يَتَوَقَّفُ أَيْضًا عَلَى سُكُونِ نَفْسِهِ إلَى صِحَّتِهِ. وَإِنْ وَجَدَ مُفْتٍ آخَرَ فَإِنْ اسْتَبَانَ أَنَّ الَّذِي أَفْتَاهُ هُوَ الْأَعْلَمُ الْأَوْثَقُ لَزِمَهُ مَا أَفْتَاهُ بِهِ، بِنَاءً عَلَى الْأَصَحِّ فِي تَعَيُّنِهِ كَمَا سَبَقَ، وَإِنْ لَمْ يَسْتَبِنْ ذَلِكَ لَمْ يَلْزَمْهُ مَا أَفْتَاهُ بِمُجَرَّدِ إفْتَائِهِ إذْ يَجُوزُ لَهُ اسْتِفْتَاءُ غَيْرِهِ وَتَقْلِيدُهُ، وَلَا يَعْلَمُ اتِّفَاقَهُمَا فِي الْفَتْوَى، فَإِنْ وُجِدَ الِاتِّفَاقُ أَوْ حَكَمَ بِهِ عَلَيْهِ حَاكِمٌ لَزِمَهُ حِينَئِذٍ .
السادسة: إذَا اُسْتُفْتِيَ فَأَفْتَى ثُمَّ حَدَثَتْ تِلْكَ الْوَاقِعَةُ لَهُ مَرَّةً أُخْرَى، فَهَلْ يَلْزَمُهُ تَجْدِيدُ السُّؤَالِ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: يَلْزَمُهُ؛ لِاحْتِمَالِ، تَغَيُّرِ رَأْيِ الْمُفْتِي، وَالثَّانِي: لَا يَلْزَمُهُ وَهُوَ الْأَصَحُّ،؛ لِأَنَّهُ قَدْ عَرَفَ الْحُكْمَ الْأَوَّلَ، وَالْأَصْلُ اسْتِمْرَارُ الْمُفْتَى عَلَيْهِ، وَخَصَّصَ صَاحِبُ الشَّامِلِ الْخِلَافَ بِمَا إذَا قَلَّدَ حَيًّا وَقَطَعَ فِيمَا إذَا كَانَ ذَلِكَ خَبَرًا عَنْ مَيِّتٍ، بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَخْتَصُّ، فَإِنَّ الْمُفْتِيَ عَلَى مَذْهَبِ الْمَيِّتِ قَدْ يَتَغَيَّرُ جَوَابُهُ عَلَى مَذْهَبِهِ .
السَّابِعَةُ: أَنْ يَسْتَفْتِيَ بِنَفْسِهِ وَلَهُ أَنْ يَبْعَثَ ثِقَةً يُعْتَمَدُ خَبَرُهُ لِيَسْتَفْتِيَ لَهُ وَلَهُ الِاعْتِمَادُ عَلَى خَطِّ الْمُفْتِي إذَا أَخْبَرَهُ مَنْ يَثِقُ بِقَوْلِهِ أَنَّهُ خَطُّهُ، أَوْ كَانَ يَعْرِفُ خَطَّهُ وَلَمْ يَتَشَكَّكْ فِي كَوْنِ ذَلِكَ الْجَوَابِ بِخَطِّهِ .
الثَّامِنَةُ: يَنْبَغِي لِلْمُسْتَفْتِي أَنْ يَتَأَدَّبَ مَعَ الْمُفْتِي وَيُبَجِّلَهُ فِي خِطَابِهِ وَجَوَابِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَلَا يُومِئَ بِيَدِهِ فِي وَجْهِهِ، وَلَا يَقُلْ لَهُ مَا تَحْفَظُ فِي، كَذَا ؟ أَوْ مَا مَذْهَبُ إمَامِكَ أَوْ الشَّافِعِيِّ فِي كَذَا ؟ وَلَا يَقُلْ إذَا أَجَابَهُ: هَكَذَا قُلْتُ أَنَا، أَوْ كَذَا وَقَعَ لِي. وَلَا يَقُلْ: أَفْتَانِي فُلَانٌ أَوْ غَيْرُكَ بِكَذَا، وَلَا يَقُلْ: إنْ كَانَ جَوَابُكَ مُوَافِقًا لِمَنْ كَتَبَ فَاكْتُبْ وَإِلَّا فَلَا تَكْتُبْ، وَلَا يَسْأَلُهُ وَهُوَ قَائِمٌ أَوْ مُسْتَوْفِزٌ أَوْ عَلَى حَالَةِ ضَجَرٍ أَوْ هَمٍّ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يُشْغِلُ الْقَلْبَ. وَيَنْبَغِي أَنْ يَبْدَأَ بِالْأَسَنِّ الْأَعْلَمِ مِنْ الْمُفْتِينَ، وَبِالْأَوْلَى فَالْأَوْلَى إنْ أَرَادَ جَمْعَ الْأَجْوِبَةِ فِي رُقْعَةٍ، فَإِنْ أَرَادَ إفْرَادَ الْأَجْوِبَةِ فِي رِقَاعٍ بَدَأَ بِمَنْ شَاءَ، وَتَكُونُ رُقْعَةُ الِاسْتِفْتَاءِ وَاسِعَةً، لِيَتَمَكَّنَ الْمُفْتِي مِنْ اسْتِيفَاءِ الْجَوَابِ وَاضِحًا، لَا مُخْتَصَرًا مُضِرًّا بِالْمُسْتَفْتِي. وَلَا يَدَعُ