وقد حدث بالفعل وانتقضت عرى الإسلام عروة عروة، وانتكس الناس وابتعدوا عن دين الله المنزَّل إلى دين آخر محرف مؤول، وما عادوا يفهمون الإسلام على الوجه الصحيح الذي أراده وأنزله الله عز وجل، ودعا إليه النبي صلى الله عليه وسلم وطبقه في واقع الحياة، وفهمه منه صحابته رضوان الله تعالى عليهم ونقلوه إلى الأمة من بعده ..
ومن بين عرى الإسلام التي انتقضت وغاب أكثر الناس عنها فهمًا وتطبيقًا: الجهاد في سبيل الله [1] ..
لو قلنا اليوم أن الجهاد في سبيل الله هو من أصول ومباديء الإسلام، ومن الأسس التي لا قيام لدين الله عز وجل إلا بها، لاستنكر ذلك أكثر الناس ولم يطيقوه بل ولم يقبلوه، ولخرج أكثر الناس يهاجموننا في شدة وعنف، وعلى رأسهم كثيرون ممن ينتسبون إلى العلم ويسمون بالمشايخ والدعاة!
لقد تركت الأمة اليوم الجهاد حتى نسيته فما عادت تذكره، وجهلته فما عادت تعلمه، وإذا ذكرها به أحد أو دعاها إليه أو علمها إياه، نفرت منه وتنكرت له، وإذا رأت من يمارسه انتقدته وأعرضت عنه!
كل الأمة اليوم - إلا من رحم الله - وقعت في هذا المنكر العظيم الذي توعد الله صاحبه بالعذاب الأليم في قوله تعالى: [إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ] [2] ..
لقد وصلت الأمة اليوم إلى حالة من الذل والهوان لم تصل إليها من قبل قط طوال مسيرتها التاريخية، وذلك لتنكرها لدينها، وابتعادها وتخليها عن ذروة سنامه الجهاد في سبيل الله، فاستباحها الأعداء من كل جانب ..
حين نقول أن ترك الأمة للجهاد هو سبب ذلها وهوانها، فهذا ليس ادعاءًا ندعيه، ولا قولًا نجتهده من تلقاء أنفسنا، وإنما هو وحي مصدق ذكره النبي الصادق صلى الله عليه وسلم في
(1) أي القتال في سبيل الله، وذلك للحديث الذي رواه الهيثمي في مجمع الزوائد برقم (5262) عن عمرو بن عبسة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للرجل الذي سأله: وما الجهاد؟، قال: [أن تقاتل الكفار إذا لقيتهم] ، والحديث رجاله ثقات.
(2) التوبة: 39.