فأنزل الله تبارك وتعالى على نبيه صلى الله عليه وسلم يرد علينا ما قلنا: [وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ] .. فكانت التهلكة الإقامة على الأموال وإصلاحها وتَرْكِنَا الغزو) [1] ..
وفي رواية أخرى فسر التهلكة بقوله: (أن نقيم في أموالنا ونصلحها وندع الجهاد) [2] ..
والمتأمل بعين البصيرة يتبين له كيف كان هذا المعنى واضحًا متجليًا في نفوس أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم [3] ، بينما هو اليوم على عكس ذلك، في نفوس أكثر أبناء هذه الأمة، بل وكثير من المشايخ والدعاة .. ! ولا حول ولا قوة إلا بالله ..
وقد عبَّر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الجهاد بـ"الدين"في قوله: [إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم أذناب البقر ورضيتم بالزرع وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلًا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم] [4] ..
والمتأمل في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: [وتركتم الجهاد] ، وقوله: [ترجعوا إلى دينكم] ، يدرك منزلة الجهاد في الإسلام ..
فإن المتبادر للذهن أن يقول النبي صلى الله عليه وسلم:"ترجعوا إلى جهادكم"، إلا أنه قال: [ترجعوا إلى دينكم] !
وكأن ترك الجهاد ترك للدين، والرجوع للجهاد رجوع للدين! .. وكأن الجهاد هو الدين!!
قال الإمام ابن النحاس - رحمه الله: (ودل قوله صلى الله عليه وسلم: [حتى ترجعوا إلى دينكم] على أن ترك الجهاد والإعراض عنه والسكون إلى الدنيا خروج عن الدين ومفارقة له، وكفى به ذنبًا وإثمًا مبينًا) [5] !!
(1) رواه الترمذي في سننه برقم (2972) .
(2) رواه أبي داود في سننه برقم (2512) .
(3) فأول هذه الأمة وسلفها الصالح لم يعيشوا في عز ورفعة وكرامة، ولم ينتصروا على أعدائهم إلا بالجهاد والقتال .. وكما يقول الإمام مالك رحمه الله: لن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها.
(4) رواه أبو داود في سننه برقم (3462) .
(5) مشارع الأشواق إلى مصارع العشاق، ص 107.