أن لكل بلاء خطوات ولكل خطوات غايات، فلم تكن تعرف جزيرة العرب الوثنية، حتى جاء عمرو بن لحي الخزاعي وكان واليًا على البيت الحرام فسافر إلى الشام فرأى وثنيتها، ورأى فيها تغييرًا وتجديدًا وأرادها بمكة، فكان ابن لُحيّ أول من قنن الشرك بمكة ثم ما حَولها، فأتى بالأصنام لتعبد بعد التوحيد الذي كانت عليه العرب، ولا بد لتغيير العقائد والأفكار من حَمَلة يتحملون أوزار أهلها ويبوؤن بإثم الأمة.
بدأت الوثنية تتسلل إلى العرب في أقطارها فعبدت الأوس والخزرج والأزد (مناة) وعبد أهل الطائف وقريش (اللات) (والعزى) وحتى يُسبِغوا عليها تشريعًا إلهيًا اشتقوا لها أسماء من أسماء الله فاللات من الله والعزّى من العزيز.
تدرجوا فيها بدايةً من استنكارٍ ووحشةٍ من ذلك المعبود الدخيل، فصرفوا لها التعظيم ثم العبادة تدرجًا حتى تعصبوا لها، وتحولت من معبود عند الملمات إلى مطلبٍ عند الحاجات، إلى تعلِّق لا تخلو النفس منه حتى بلغ بهم الحال كما صح في البخاري عن أبي رجاء العطاردي قال: كنا نعبد الحجر في الجاهلية فإذا وجدنا حجرًا هو أخير منه ألقيناه وأخذنا الآخر فإذا لم نجد حجرًا جمعنا جُثوة من تراب ثم جئنا بالشاة فحلبناها عليه ثم طفنا به.
فعمرو بن لحي لم يأمرهم بحلب الشاة على التراب ليُصنع الوثن، ولكن هكذا العقول كالعجلة تدور بالعقائد وتبدأ بها من حيث انتهت وتنتهي بها على غير ما بدأت!
ولذا تعصبت قريش على دخيل جاهليتها فقاتلوا محمدًا صلى الله عليه وسلم على ذلك وطردوه وآذوه، فرأوا منه دخيلًا على ملّتهم، مبتدعًا لعقيدة وفكرٍ جديد لا يُعرف من قبل.
ولم يكن عمرو بن لحي دعاهم إلى هذه النهايات ولكنه سنّ سُنتها فتحمل وزرها، فكانت عاقبته كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (رأيت