فهرس الكتاب

الصفحة 67 من 143

ينظر، لم يبصر، ومن لم يبصر ففي العمى والحيرة، وهؤلاء إذا رسخ في قلب الواحد منهم هذا الحد من التقليد، استغلق على أحذق أهل الجدل إفهامه؛ لأن ما اعتقده إنما كان على جهة التقليد الراسخ، لا على جهة التفتيش والتنقيب والاحتجاج، وهذه علة لا حدَّ لدركاتها، ولا لتَشعبها في ذهن الإنسان غاية، ومن عَجبٍ أن سمعتُ - سابقًا- في وسيلة إعلامية محليَّة إعلاميًا معلِّقاّ على ما رزق الله البلاد من كثرة الأمطار ونزول الثلوج:"أننا أصبحنا كالدول المتقدمة".

إن التقليد والاستقلال يبدأ بالعقل والفهم، قبل أن يصل إلى الاقتصاد والإنتاج، فبالعقل والفهم المستقل تُصنع العلوم المستقلة، والعقل والفهم التابع مهما أُوتي من مال لن يخرج عن التبعية في النتائج، وما هو إلا نقل نظريات، وتطبيقها في أرض ليست أرضها، ليصبح أهلها بلا أضراسٍ تقضم ولا معدة تهضم، وصناعة الاقتصاد واستقلاله صناعة صحيحة لا مريضة، يبدأ بسلامة الفكر قبل السياسة والاقتصاد، وقد قال أحد الذين قضوا حياتهم في الغرب من نحو قرنٍ:"الغربيون كانوا في الماضي يتناولون ما نطبخه فيمضغونه ويبتلعونه محولين الصالح منه إلى كيانهم الغربي، أما الشرقيون في الوقت الحاضر فيتناولون ما يطبخه الغربيون ويبتلعونه، ولكنه لا يتحول إلى كيانهم الشرقي بل يحولهم إلى شبه غربيين، وهي حالة أخشاها وأتبرم منها أنها تبين لي الشرق تارة كعجوز فقد أضراسه، وطورًا كطفل بلا أضراس"انتهى.

وإني أُذكر بتَجربة"شخت"الألماني واضع خطة النهوض الاقتصادي في ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية التي لم تُبق ولم تذر في حياتها شيئًا، جلبته أندونيسيا في نشوتها وبذلت عليه ما لم يُبذل قبلها، ليطبق تجربته في نهوض ألمانيا، ففشلت في ذلك فشلًا ذريعًا؛ لأن الأرض غير الأرض والفكر غير الفكر، والطبع غير الطبع.

وإلى أهل الحل والعقد أقول:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت