حكم الله فتنة عظيمة لقوله تعالى: {واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك} .
ومن عرض حكم الله المنزّل للاختيار وهو مُتيّقن أن أكثر الناس ستأخذ به، وليس له اختيار في إلزامهم به إلا بواسطة عرضه على الناس، وذلك لضعف الحاكم، فيُريد أن يتخذ عَرْضه للاختيار جسرًا وسبيلًا للإلزام به بعد ذلك فقد يُعذر في حال الضعف الشديد وخوف فوات الحق المتيقّن غلبته وتمكينه بمثل هذه الوسيلة وحدها.
ويسوغ أيضًا تمكين الحق بالإحالة إلى ما يوافق الحق الذي أنزله الله كإرجاع الناس إلى الفطرة الصحيحة غير المبدلة بقصد إقناعهم وإلزامهم بالحق، ومثل هذا إرجاع النبي صلى الله عليه وسلم اليهود إلى التوراة بقصد إقناعهم بموافقة القرآن ولزوم حكمه فيهم، مع أن الرجوع إلى التوراة والإنجيل مستقلًا والدعوة إليه مما نهى الله عنه ونبيه صلى الله عليه وسلم، ولكن لما كان الإرجاع لليهود وهم على كفر، لينزلوا على حكم الله في الرجم الموافق لما في التوراة، كما جاء في الصحيح عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن اليهود جاءوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم برجل منهم وامرأة قد زنيا، فقال لهم: كيف تفعلون بمن زنى منكم؟ قالوا: نحممهما ونضربهما، فقال: لا تجدون في التوراة الرجم؟ فقالوا: لا نجد فيها شيئًا. فقال لهم عبد الله بن سلام: كذبتم (فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين) فوضع مدراسها الذي يدرسها منهم كفه على آية الرجم فطفق يقرأ ما دون يده وما وراءها ولا يقرأ آية الرجم فنزع يده عن آية الرجم فقال: ما هذه؟ فلما رأوا ذلك قالوا: هي آية الرجم فأمر بهما فرجما قريبا من حيث موضع الجنائز عند المسجد فرأيت صاحبها يجنأ عليها يقيها الحجارة.
النوع الثاني: مواد مسكوت عنها لم يقض الله فيها بشيء، فهذه للحاكم وللمحكوم عرضها للاستفتاء والقبول والرفض، وللحاكم أن يتفق مع المحكوم على أن لا يُقبل من هذه المواد إلا ما اتفق أكثر الناس عليه