2.التورق و إدارة المخاطر: التورق هو صيغة للحصول على السيولة [1] ، و هو أن يشتري شخص السلعة إلى أجل، ليبيعها و يأخذ ثمنها لينتفع به، و يتوسع فيه، كأن يحتاج إلى نقود، فيذهب إلى التاجر و يشتري منه ما يساوي مائة (100) بمائة وخمسين (150) على أجل، ليسد به حاجته. و هو بيع جائز لا مانع منه لأن البائع الذي كان مشتريًا باع السلعة إلى شخص آخر غير البائع الأول. [2] و هو مثال لهندسة مالية غير كفؤة، إذ يتحمل المشتري تكاليف القبض و الحيازة ثم خسارة البيع الفوري، و هي جميعًا تكاليف إضافية لا تفيد المتورق بشيء. [3] لكن يوجد في الفقه الإسلامي ما يغني عن هذه الصيغة، بصورة أكثر كفاءة و أكثر مشروعية، و ذلك من خلال عقد السّلَم. حيث يقبض المحتاج للسيولة النقد مقدَّمًا مقابل سلعة في الذمة مؤجلة. و إذا كان الدائن تاجراًَ كان السَّلَم محقِّقًا لمصلحة الطرفين: البائع (الراغب في السيولة) ينتفع من خلال الحصول على النقد دون إجراءات إضافية، و المشتري (التاجر) ، ينتفع من خلال ضمان حصوله على سلعة تدخل في نطاق تجارته، بذلك يمكن للتاجر توظيف فائض السيولة لديه في مجال الائتمان. و إذا كان المشتري ممولًا، فيمكنه استخدام السلعة في البيع الآجل، و بذلك تكتمل الدورة التجارية للممول. فيشتري السلعة سلمًا، ثم بعد قبضها يبيعها بالأجل. و هذا سيعطي الممول فرصة أفضل لتنويع محفظته الاستثمارية، فبدلًا من أن تكون جميعها ديونًا نقدية، يكون بعضها نقديًا و بعضها سلعيًا. و التنويع كما هو معلوم من أفضل الطرق لتحييد المخاطرة. فإذا ارتفعت أسعار السلعة محل المتاجرة، كان ذلك خسارة في ديون النقد، و لكنه يمثّل ربحًا في ديون السّلم، و العكس بالعكس. فالمحصِّلة هي تخفيض المخاطرة بدرجة عالية. و بناءً على توقُّعات السوق يمكن للممول أن يوزِّع محفظته بين السلم و البيع الآجل بما يحقق أفضل عائد بأقل مخاطرة. [4]
(1) إن الهدف من اللجوء للتورق هو الحصول على التمويل النقدي، إما لعدم توافر التمويل عن طريق الشراء الآجل للسلعة أو للحاجة إلى النقد بذاته لتسديد دين حل، أو لتعدد الحاجات وتنوعها مما يجعل التمويل النقدي أكثر ملاءمة من تمويلها عن طريق الشراء الآجل، مع ما في توحيد الجهة الدائنة من ملاءمة وسهولة.
(2) أ. د. وهبة الزحيلي،"أحكام المعاملات المالية المعاصرة"، مرجع سابق، ص 53.
(3) و هذا ما دفع شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله للقول بمنع التورق، إذ يمتنع، يحرم الله الاقتراض بفائدة ثم يجيزه بطريق أكثر كلفة و مشقة،"فالشريعة لا تحرم الضرر الأدنى و تبيح ما هو أدنى منه".
(4) د. إبراهيم سامي السويلم،"صناعة الهندسة المالية: نظرات في المنهج الإسلامي"، مرجع سابق، ص 19.