من عند الله ثابت في نفسه سواء علمناه بعقولنا أو لم نعلمه فهو مستغن في نفسه عن علمنا وعقلنا ولكن نحن محتاجون إليه وإلى أن نعلمه بعقولنا فإن العقل إذا علم ما هو عليه الشرع في نفسه صار عالما به وبما تضمنه من الأمور التي يحتاج إليها في دنياه وآخرته وانتفع بعلمه به وأعطاه ذلك صفة لم تكن له من قبل ذلك ولو لم يعلمه لكان جاهلا ناقصا
وأما إن أراد أن العقل أصل في معرفتنا بالسمع ودليل لنا على صحته وهذا هو الذي أراده فيقال له أتعني بالعقل هنا الغريزة التي فينا أم العلوم التي استفدناها بتلك الغريزة
أما الأول فلم ترده ويمتنع أن تريده لأن تلك الغريزة ليست علما يتصور أن يعارض النقل وهي شرط في كل علم عقلي أو سمعي كالحياة وما كان شرطا في الشىء امتنع أن يكون منافيا له فالحياة والغريزة شرط في كل العلوم سمعيها وعقليها فامتنع ان تكون منافية لها وهي أيضا شرط في الاعتقاد الحاصل بالاستدلال وإن لم تكن علما فيمتنع أن تكون منافية له معارضة له
وإن أردت بالعقل الذي هو دليل السمع وأصله المعرفة الحاصلة بالعقل فيقال له من المعلوم أنه ليس كل ما يعرف بالعقل يكون أصلا لسمع ودليلا على صحته فإن المعارف العقلية أكثر من أن تحصر والعلم بصحة السمع غايته أن يتوقف على ما به يعلم صدق الرسول صلى الله عليه وسلم
وليس كل العلوم العقلية يعلم بها صدق الرسول صلى الله عليه وسلم بل ذلك يعلم بما يعلم به أن الله تعالى أرسله مثل إثبات الصانع وتصديقه للرسول بالآيات وأمثال ذلك