العقل دليلا صحيحا وإذا لم يكن دليلا صحيحا لم يجز أن يتبع بحال فضلا عن أن يقدم فصار تقديم العقل على النقل قدحا في العقل بانتفاء لوازمه ومدلوله وإذا كان تقديمه على النقل يستلزم القدح فيه والقدح فيه يمنع دلالته والقدح في دلالته يقدح في معارضته كان تقديمه عند المعارضة مبطلا للمعارضة فامتنع تقديمه على النقل وهو المطلوب
وأما تقديم النقل عليه فلا يستلزم فساد النقل في نفسه
ومما يوضح هذا أن يقال معارضة العقل لما دل العقل على أنه حق دليل على تناقض دلالته وذلك يوجب فسادها وأما السمع فلم يعلم فساد دلالته ولا تعارضها في نفسها وإن لم يعلم صحتها وإذا تعارض دليلان أحدهما علمنا فساده والآخر لم نعلم فساده كان تقديم ما لم يعلم فساده أقرب إلى الصواب من تقديم ما يعلم فساده كالشاهد الذي علم أنه يصدق ويكذب والشاهد المجهول الذي لم يعلم كذبه فإن تقديم قول الفاسق المعلوم كذبه على قول المجهول الذى لم يعلم كذبه لا يجوز فكيف إذا كان الشاهد هو الذي شهد بأنه قد كذب في بعض شهاداته
والعقل إذا صدق السمع في كل ما يخبر به ثم قال إنه أخبر بخلاف الحق كان هو قد شهد للسمع بأنه يجب قبوله وشهد له بأنه لا يجب قبوله وشهد بأن الأدلة السمعية حق وأن ما أخبر به السمع فهو حق وشهد بأن ما أخبر به السمع فليس بحق فكان مثله مثل من شهد لرجل بأنه صادق لا يكذب وشهد له بأنه قد كذب فكان هذا قدحا في شهادته مطلقا وتزكيته فلا يجب قبول شهادته الأولى ولا الثانية فلا يصلح أن يكون معارضا للسمع بحال