وعند الجمهور لا يجوز البيع لدلالة الأحاديث المشهورة والإجماع، ومن هذه الأحاديث المشهورة الدالة على عدم جواز البيع قوله صلى الله عليه وسلم لمارية: «أعتقها ولدُها» [1] وقوله صلى الله عليه وسلم: «أيما امرأة ولدت من سيدها فهي معتق عن دبر منه» [2] ، وما روي عن عمر -رضي الله عنه- أنه كان ينادي على المنبر: ألا إن بيع أمهات الأولاد حرام، ولا رق عليها بعد موت مولاها، وقد تلقى ذلك الأمة بالقبول وانعقد الإجماع على عدم جواز بيعها، فكان القول بالجواز مخالف للأحاديث المشهورة والإجماع فكان مردودًا [3] .
ب- القول بالقصاص في القسامة: فإذا وجد القتيل في محلة ولم يعرف قاتله، فقد ذهب الحنفية إلى أن القسامة تجب على أهل المحلة وتكون الدية على عواقل أهل المحلة، ولا يجب القصاص بحال [4] .
وذهب مالك والشافعي في القديم وأحمد إلى أنه إذا كان بين القتيل وأهل المحلة التي وجد بها عداوة ظاهرة أو لوث، وهو ما يغلب على ظن القاضي والسامع صدق المدعي، فإن ولي المقتول يؤمر بأن يعين القاتل منهم ثم يحلف هذا الولي خمسين يمينًا أنه قتله عمدًا، فإذا حلف يقتص له من القاتل [5] .
وقد تمسك القائلون بهذا بظاهر قوله صلى الله عليه وسلم لأولياء المقتول الذي وجد في خيبر: «أتحلفون وتستحقون دم صاحبكم» [6] الحديث، أي: دم قاتل صاحبكم.
وحجة من أبى وجوب القصاص بالقسامة الأحاديث المشهورة فإن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بالقسامة والدية على اليهود في قتيل وجد بين أظهرهم [7] .
كما روي أن عمر -رضي الله عنه- قضى بالقسامة والدية في قتيل وجد بين وادعة وأرحب وكان إلى وادعة أقرب، فقالوا: لا أيماننا تدفع عن أموالنا، ولا أموالنا تدفع عن أيماننا، فقال: حقنتم دماءكم بأيمانكم، وأغرمكم الدية بوجود القتيل بين أظهركم، وكان ذلك منه بمحضر من الصحابة ولم ينكر عليه أحد فحل محل الإجماع، فكان القول بوجوب القصاص مخالفًا لهذه الأدلة الظاهرة
(1) نيل الأوطار ج 6 ص 97، وأخرجه ابن ماجة في العتق حديث رقم 2516.
(2) ابن ماجة في العتق حديث رقم 2515.
(3) انظر: الاختيار ج 4 ص 32، وشرح النقاية ج 3 ص 140، والكافي لابن عبد البر ص 514، والمعاني البديعة ج 2 ص 169، والمبدع ج 6 ص 372.
(4) انظر: الاختيار ج 5 ص 53، والهداية ج 4 ص 159، 160.
(5) انظر: الكافي لابن عبد البر ص 600، 601، والأم ج 6 ص 9، والمبدع ج 9 ص 38.
(6) نيل الأوطار ج 8 ص 208.
(7) المرجع السابق والصفحة.