يشترك الجاهل والناسي في أن كلا منهما غير عالم بما أقدم عليه، لكن بينهما الفروق الآتية وهى:
الفرق الأول: أن النسيان في العبادات لا يؤثر والجهل يؤثر، وكلا من الناسي والجاهل غير عالم بما أقدم عليه، وقاعدة الفقه: أن النسيان لا إثم فيه من حيث الجملة فالناسي معفو عنه لقوله صلى الله عليه وسلم: «رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» ، أما الجاهل فإنه عند بعض أهل العلم كالمعتمد.
يقول العلامة القرافي: وإذا كان العلم يما يقدم الإنسان عليه واجبًا كان الجاهل في الصلاة عاصيًا بترك العلم، فهو كالمتعمد الترك بعد العلم بما وجب عليه، فهذا هو وجه قول مالك (رحمه الله) : إن الجهل في الصلاة كالعمد والجاهل كالمتعمد لا كالناسي [1] .
ويقول العلامة البقوري [2] : وإنما كان آثمًا بالجهل دون النسيان لما بينهما من الفرق، من حيث إن النسيان لا يتصور الاحتراز منه، والجهل متصور الاحتراز منه، فالنسيان كالجهل الذي يتعذر الاحتراز منه [3] .
الفرق الثاني: أن النسيان يهجم على العبد قهرًا لا حيلة له في دفعه عنه، والجهل له حيلة في دفعه بالتعلم.
يقول العلامة القرافي في بين هذا الفرق: إن المكلف لا يجوز له أن يقدم على فعل حتى يعلم حكم الله فيه، فمن باع وجب عليه أن يتعلم ما عينه الله وشرعه في البيع، ومن أجر وجب عليه أن يتعلم ما شرعه الله تعالى في الإجارة، ومن قارض وجب عليه أن يتعلم حكم الله في القراض، ومن صلى وجب عليه أن يتعلم حكم الله في الصلاة، وكذلك الطهارة، وجميع الأقوال والأعمال، فمن تعلم وعلم بمقتضى ما علم فقد أطاع الله تعالى طاعتين، ومن لم يعلم ولم يعمل فقد عصى الله معصيتين، ومن علم ولم يعلم بمقتضى علمه فقد أطاع الله تعالى طاعة وعصاه معصية، ويدل على ذلك أيضًا من جهة القرآن قوله تعالى حكاية عن نوح عليه السلام: (إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ) ومعناه: ليس لي بجواز سؤاله علم، فدل ذلك على أنه لا يجوز له أن يقدم على الدعاء والسؤال إلا بعد علمه بحكم الله تعالى في ذلك السؤال، وأنه جائز، وذلك سبب كونه (عليه السلام) عوتب على سؤال الله عز وجل لابنه أن يكون. معه في السفينة، لكونه سأل قبل العلم بحال
(1) انظر الفروق للقرافي ج 2 ص 148، 149.
(2) وهو العلامة أبو عبد الله محمد بن إبراهيم البقوري المتوفى سنة 707 هـ نسبة إلى بقور بلد بالأندلس، رتب واختصر كتاب الفروق لشيخه الإمام القرافي في هذا الكتاب المسمى ترتيب الفروق واختصارها، له ترجمة في كتاب: الأعلام بمن حل مراكش وأغمات من الأعلام - للمراكشي.
(3) ترتيب الفروق واختصارها ج 2 ص 539.