وأن الدليل العقلي قد يكون نقليًا جاء في الكتاب والسنة؛ كالأمثلة المضروبة في القرآن, أو يكون دليل لم يرد في النقل لكن الشرع أباحه وأذن فيه ونبه عليه, أو أنه لا يعارض ولا يلزم فيه لوازم باطلة.
منزلة الأدلة العقلية عند السلف في مسائل الاعتقاد:
والسلف - رضوان الله عليهم - كما أنهم كانوا يحتجون بالأدلة الشرعية السمعية على مسائل الاعتقاد, فكذلك يحتجون بالأدلة الشرعية العقلية - النقلية منها وغير النقلية -، والذي جعل السلف يستدلون ويحتجون بها هو أنهم وجدوا ذلك في كتاب الله وسنة رسوله ', وقد كانوا هم أحرص الناس على اتباع الكتاب والسنة, والاقتداء بهما, والتسليم المطلق لما جاءا به.
نجد ذلك الاستدلال في كتاب الله كثيرًا وذلك عن طريق ضرب الأمثلة والأقيسة العقلية التي قال الله فيها: {وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ} [الروم:58] .
ونجد ذلك أيضًا في سنة المصطفى عليه الصلاة والسلام كما في الحديث الذي أخرجه الإمام أحمد وابن ماجه عن أبي رزين العقيلي رضي الله عنه انه قال: يا رسول الله، أكلنا يرى ربه عز وجل يوم القيامة؟ وما آية ذلك في خلقه؟ فقال رسول الله ':"أليس كلكم ينظر إلى القمر مخليًا به؟"قال بلى، قال:"فالله أعظم". قال: قلت: يارسول الله، كيف يحيي الله الموتى؟ وما آية ذلك في خلقه؟ قال:"أما مررت بوادي أهلك مخليا؟"قال: بلى، قال:"أما مررت به يهتز خضرا"قال: بلى، قال:"ثم مررت به محلا"قال: بلى، قال:"فكذلك يحيي الله الموتى، وذلك آيته في خلقه" [1] .
فهذا الحديث يدل دلالة واضحة على استدلال النبي ' بالأمثال الحية على مسألة من مسائل العقيدة, وهي الرؤية وإحياء الموتى مع الفارق.
قال ابن تيمية رحمه الله ذاكرًا مذهب السلف في ذلك- بعد أن ذكر الدلائل التي يستدل بها على مسائل أصول الدين - قال:"بل الأمر ما عليه سلف الأمة وأئمتها -أهل العلم والإيمان - من أن الله سبحانه وتعالى بين من الأدلة العقلية التي يحتاج إليها في العلم بذلك مالا يقدر أحد من هؤلاء قدره [2] ونهاية ما يذكرونه جاء القرآن بخلاصته على أحسن وجه ...." [3] .
ويقول أيضا -رحمه الله - في بيان ما كان عليه السلف اتجاه هذه الأدلة العقلية:"واعلم أن أهل الحق لا يطعنون في جنس الأدلة العقلية ولا فيما علم العقل بصحته، وإنما يطعنون فيما يدعي المعارض أنه يخالف الكتاب والسنة، وليس في ذلك - ولله الحمد - دليل صحيح في نفس الأمر، ولا دليل مقبول عند عامة العقلاء، ولا دليل لم يقدح فيه بالعقل ..." [4] .
(1) أخرجه ابو داود:4/ 234،واخرج ابن ماجه أوله: 1/ 64, وحسنه الألباني كما في صحيح ابن ماجه: 1/ 36.
(2) يقصد طوائف المتكلمين والمتفلسفة.
(3) مجموع الفتاوى لابن تيمية: 3/ 296، وانظر: درء التعارض لابن تيمية: 1/ 28.
(4) درء التعارض: 1/ 194.