مرافقها ثم أغلق بابها وخرج منها, كان ابن آدم لا يخفى عليه كم بيت في داره, وكم سعة كل بيت, من غير أن يكون صاحب الدار في جوف الدار, فالله - وله المثل الأعلى - قد أحاط بجميع خلقه, وعلم كيف هو وما هو, من غير أن يكون في شيء مما خلق" [1] ."
يقول ابن تيمية معلقا على كلام الإمام أحمد:"ثم ذكر الإمام أحمد حجة اعتبارية عقلية قياسية لإمكان ذلك هي من باب الأولى ...." [2] .
والاستدلال بهذه الطرق لم يكن خاصًا بالمسلمين فقط, بل استدل بها غير المسلمين من أهل الملل وغيرهم.
يقول ابن تيمية بعد أن تكلم عن هذا الدليل, قال:"وهذه الطرق لظهورها يسلكها غير المسلمين من أهل الملل وغيرهم كالنصارى" [3] , ثم ضرب مثالا على ذلك باستدلال النصارى به على أن الله هو أكمل الأقانيم الثلاثة.
وكذلك الفلاسفة استدلوا به يقول ابن تيمية عنهم:"وهذه طريقة يقر بها عامة العقلاء، حتى الفلاسفة يقولون: كل كمال في المعلول فهو من العلة" [4] .
بعد هذا يتبين لنا أن كل عقلاء بني آدم مقرين بهذا الدليل آخذين به.
للاستدلال بهذا الدليل طريقتان:
الأولى: دلالة الأثر على المؤثر:
ومعناه أن الوجود يدل على الموجد, والممكن يدل على الواجب, والعطاء يدل على المعطي, والموهوب يدل الواهب, وأن معطي الكمال وواهبه وفاعله أحق بالاتصاف به؛ لأنه كما قيل: فاقد الشيء لا يعطيه, وقد أدرك ذلك الأعرابي بفطرته وسليقته حينما قال:"الأثر يدل على المسير والبعرة تدل على البعير، سماء ذات أبراج وأرض ذات فجاج ألا يدل ذلك على العليم الخبير" [5] .
فكذلك الله سبحانه وتعالى هو الذي أعطى هذه الكمالات في المخلوق, فوجودها فيه واتصافه به من باب أولى.
يقول ابن تيمية:"وأما الطريق الأخرى في إثبات الصفات: وهي الاستدلال بالأثر على المؤثر، وأن من فعل الكامل فهو أحق بالكمال"ثم يقول"فالاستدلال بالأثر على المؤثر أكمل, كقوله تعالى {وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً} [فصلت:15] وقال تعالى: فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي"
(1) الرد على الزنادقة والجهمية للإمام أحمد: 39
(2) بيان تلبيس الجهمية لابن تيمية: 2/ 546
(3) مجموع الفتاوى: 16/ 361
(4) المصدر السابق: 16/ 356، وانظر: النبوات لابن تيمية: 2/ 893
(5) انظر: إيثار الحق على الخلق لابن الوزير اليمني:52