الصفحة 15 من 22

مرافقها ثم أغلق بابها وخرج منها, كان ابن آدم لا يخفى عليه كم بيت في داره, وكم سعة كل بيت, من غير أن يكون صاحب الدار في جوف الدار, فالله - وله المثل الأعلى - قد أحاط بجميع خلقه, وعلم كيف هو وما هو, من غير أن يكون في شيء مما خلق" [1] ."

يقول ابن تيمية معلقا على كلام الإمام أحمد:"ثم ذكر الإمام أحمد حجة اعتبارية عقلية قياسية لإمكان ذلك هي من باب الأولى ...." [2] .

والاستدلال بهذه الطرق لم يكن خاصًا بالمسلمين فقط, بل استدل بها غير المسلمين من أهل الملل وغيرهم.

يقول ابن تيمية بعد أن تكلم عن هذا الدليل, قال:"وهذه الطرق لظهورها يسلكها غير المسلمين من أهل الملل وغيرهم كالنصارى" [3] , ثم ضرب مثالا على ذلك باستدلال النصارى به على أن الله هو أكمل الأقانيم الثلاثة.

وكذلك الفلاسفة استدلوا به يقول ابن تيمية عنهم:"وهذه طريقة يقر بها عامة العقلاء، حتى الفلاسفة يقولون: كل كمال في المعلول فهو من العلة" [4] .

بعد هذا يتبين لنا أن كل عقلاء بني آدم مقرين بهذا الدليل آخذين به.

ثالثًا: طرق الاستدلال بهذا الدليل:

للاستدلال بهذا الدليل طريقتان:

الأولى: دلالة الأثر على المؤثر:

ومعناه أن الوجود يدل على الموجد, والممكن يدل على الواجب, والعطاء يدل على المعطي, والموهوب يدل الواهب, وأن معطي الكمال وواهبه وفاعله أحق بالاتصاف به؛ لأنه كما قيل: فاقد الشيء لا يعطيه, وقد أدرك ذلك الأعرابي بفطرته وسليقته حينما قال:"الأثر يدل على المسير والبعرة تدل على البعير، سماء ذات أبراج وأرض ذات فجاج ألا يدل ذلك على العليم الخبير" [5] .

فكذلك الله سبحانه وتعالى هو الذي أعطى هذه الكمالات في المخلوق, فوجودها فيه واتصافه به من باب أولى.

يقول ابن تيمية:"وأما الطريق الأخرى في إثبات الصفات: وهي الاستدلال بالأثر على المؤثر، وأن من فعل الكامل فهو أحق بالكمال"ثم يقول"فالاستدلال بالأثر على المؤثر أكمل, كقوله تعالى {وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً} [فصلت:15] وقال تعالى: فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي"

(1) الرد على الزنادقة والجهمية للإمام أحمد: 39

(2) بيان تلبيس الجهمية لابن تيمية: 2/ 546

(3) مجموع الفتاوى: 16/ 361

(4) المصدر السابق: 16/ 356، وانظر: النبوات لابن تيمية: 2/ 893

(5) انظر: إيثار الحق على الخلق لابن الوزير اليمني:52

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت