قبل أن أدخل في بيان منزلة الأدلة العقلية في القرآن, أحب أن أصحح الفهم لدى القارئ الكريم حول مسألة مهمة هي التي دعتني إلى التطرق إلى هذا الموضوع, وهي:
أن بعض المدارس الإسلامية زعمت أن القرآن إنما يكون حجة بعد الإيمان بالرسول ' والتصديق برسالته, أما قبل ذلك فدلالته خبرية مجردة, وغفلت عن الدلالات العقلية اليقينية التي جاءت في القرآن, وهي حجة بذاتها.
ولذا تراهم كثيرًا ما يطلقون"الأدلة العقلية"فيما يقابل الأدلة الشرعية.
ومن ثمَّ يفسرون الأدلة الشرعية بأن المراد بها الأدلة السمعية الواردة في الكتاب والسنة، وأن المراد بالدليل العقلي هو ما كان عقليًا محضًا مبني على مقدمات عقلية [1] .
وهذا في الحقيقة خطأ واختزال للمراد بالأدلة الشرعية.
وقد نتج عن هذا الفهم الخاطئ للأدلة الشرعية أنهم قسَّموا مسائل أصول الدين إلى نوعين:
العقليات والسمعيات, ويجعلون العقليات مما لا يُعلم بالكتاب والسنة, بل ما ورد في النقل إنما يستدل به على السمعيات دون العقليات؛ لأنه لو استدللنا بالنقل على العقليات للزم من ذلك الدور [2] ؛ لأن النقل متوقف على العقل، فالنبوة معلوم صحتها بالعقل وعن طريقها أتى النقل [3] .
وهذا صحيح في جانب أن وجود الصانع ودلائل النبوة تثبت بالعقل, لكنه غلط من جانب آخر: وهو اعتقادهم أن الأدلة النقلية لم تأت بأدلة عقلية تثبت وجود الصانع ونبوة الرسول.
والصحيح أن النقل قد أتى بأدلة عقلية, وهي في نفس الأمر أدلة يقينية تُعلم بالعقل وحجة بذاتها، و إنما النقل نبَّه عليها وذكّر بها, وهي حجة على من صدَّق بالرسالة ومن لم يصدق.
يقول الإمام ابن تيمية رحمه الله - حين ذكر أنهم يقسمون الدين إلى عقليات وسمعيات والأول لا يعلم بالكتاب والسنة - قال:"وهذا غلط منهم، بل القرآن دل على الأدلة العقلية وبيَّنها ونبَّه عليها، وإن كان من الأدلة العقلية ما يعلم بالعيان ولوازمه، كما قال تعالى: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (53) } [سورة فصلت:53] [4] ."
(1) انظر: المواقف للإيجي: 1/ 203 - 204.
(2) الدور: هو توقف الشيء على ما يتوقف عليه، ويسمى: الدور المصرح، كما يتوقف (أ) على (ب) ، وبالعكس أو بمراتب، ويسمى: الدور المضمر، كما يتوقف (أ) على (ب) و (ب) على (ج) و (ج) على (أ) وهذا هو الذي يراد هنا. التعريفات للجرجاني: 140
(3) انظر: درء التعارض لابن تيمية: 1/ 199.
(4) درء التعارض لابن تيمية: 1/ 199، وانظر: الموافقات للشاطبي: 3/ 52، 53