لا أحتاج في تقرير هذا المبحث إلى مزيد كلام, فمجرد ارتباط هذه الأدلة بالقرآن الكريم الذي هو كلام رب العالمين الذي {لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (42) } [سورة فصلت:42] وصدورها عنه, يغني عن تقرير شيئًا من هذه الخصائص والسمات التي امتازت بها هذه الأدلة عن غيرها, مما صدَّرته عقول البشر ومنتهى حكمتهم.
يقول ابن القيم مقررًا هذا الأمر ومذكرًا بشيءٍ من هذه الخصائص:"هذا وإن القرآن وحده لمن جعل الله له نورا أعظم آية ودليل وبرهان على هذه المطالب, وليس في الأدلة أقوى ولا أظهر ولا أصح دلالة منه من وجوه متعددة جدًا, كيف وقد أرشد ذوي العقول والألباب فيه إلى أدلة هي للعقل مثل ضوء الشمس للبصر, لا يلحقها إشكال ولا يغير في وجه دلالتها إجمال, ولا يعارضها تجويز واحتمال, تلج الأسماع بلا استئذان, وتحل من العقول محل الماء الزلال من الصادي الظمآن, فضلها على أدلة أهل العقول والكلام كفضل الله على الأنام, لا يمكن أحدا أن يقدح فيها قدحًا يوقع في اللبس, إلا إن أمكنه أن يقدح بالظهيرة صحوا في طلوع الشمس, ومن عجيب شأنها أنها تستلزم المدلول استلزامًا بيَّنًا, وتنبه على جواب المعترض تنبيهًا لطيفًا, ففيها إقامة الدلالة والجواب عن المعارضة والشبهة, وهذا الأمر إنما هو لمن نوَّر الله بصيرته, وفتح عين قلبه لأدلة القرآن, وآتاه فهمًا في كتابه فلا يعجب من منكر أو معترض أو معارض. فأي دليل على الله سبحانه أصح من الأدلة التي تضمنها كتابه:"
كقوله: {أفي الله شك فاطر السموات والأرض} [إبراهيم 10] وقوله: {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [البقرة 28] .وقوله: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ} [البقرة 22 , 21] ..." [1] ."
وفي موضع آخر يختصر لنا فيه ابن القيم -أيضًا- شيئًا من هذه الخصائص بأسلوبه الماتع فيقول:"والله سبحانه حاج عباده على ألسن رسله وأنبيائه فيما أراد تقريرهم به وإلزامهم إياه, بأقرب الطرق إلى العقل وأسهلها تناولًا, وأقلها تكلفًا وأعظمها غناء, ونفعا وأجلها ثمرة وفائدة, فحججه سبحانه العقلية التي بيَّنها في كتابه, جمعت بين كونها عقلية سمعية ظاهرة واضحة, قليلة المقدمات, سهلة الفهم, قريبة التناول, قاطعة للشكوك والشبه, ملزمة للمعاند والجاحد, ولهذا كانت المعارف التي استنبطت منها في القلوب أرسخ, ولعموم الخلق أنفع."
وإذا تتبع المتتبع ما في كتاب الله مما حاج به عباده في إقامة التوحيد وإثبات الصفات وإثبات الرسالة والنبوة وإثبات المعاد وحشر الأجساد, وطرق إثبات علمه بكل خفي وظاهر, وعموم قدرته ومشيئته وتفرده بالملك والتدبير, وأنه لا يستحق العبادة سواه, وجد الأمر في ذلك على ما ذكرناه من
(1) الصواعق المرسلة لابن القيم:3/ 1199 - 1200