الصفحة 17 من 22

والسبر والتقسيم عند الأصوليين: هما بمعنى واحد"وهو إيراد أوصاف الأصل- أي المقيس عليه-، وإبطال بعضها ليتعين الباقي للعلية" [1] .

وأما الدليل العقلي الذي معنا فنصه: أن كل موجود حقيقة فلابد أن تكون له صفة، إما صفة الكمال، وإما صفة نقص, والثاني باطل بالنسبة إلى الرب الكامل المستحق للعبادة فتثبت الأولى [2] .

وهذا دليل عظيم لا يستدل به على باب الصفات فحسب، بل يستدل به على كثير من المطالب الإلهية, كالاستدلال به على أن الله مباين للعالم؛ لأنه أن لم يكن مباين فهو داخل.

وكذلك يستدل به على وجود الله وغيرها.

وكذلك يُستدل به على صفة العلم والصدق والعدل والإصلاح وغيرها من صفات الرب تبارك وتعالى؛ لأن العلم خير من الجهل, والصدق خير من الكذب, والعدل خير من الظلم, والإصلاح خير من الإفساد.

يقول ابن تيمية:"إن من الطرق التي يسلكها الأئمة ومن اتبعهم من نظار السنة في هذا الباب: انه لو لم يكن موصوفا بإحدى الصفتين المتقابلتين للزم اتصافه بالأخرى" [3] .

ثانيًا: الأدلة عليه:

جاء هذا الدليل كثيرًا في كتاب الله تعالى, على عدة أساليب:

فجاء لإثبات أن المتصف بالكمال لا يمكن أن يساوي المتصف بغيره, كقوله تعالى {وَمَا يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ (19) وَلا الظُّلُمَاتُ وَلا النُّورُ (20) وَلا الظِّلُّ وَلا الْحَرُورُ} [فاطر: 19 - 21] . وقال تعالى: {هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ} [الزمر: 9] .

وجاءت آيات تبطل ألوهية الأصنام والأوثان, وكل ما يعبد من دون الله لاتصافها بصفات النقص التي ينزه عنها الإله الحق ولا يمكن أن يتصف بها , كقوله: {أَفَلا يَرَوْنَ أَلاَّ يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا} [طه: 89] فذكّرهم الله ونبههم إلى أنكم كيف تعبدون إلها ليس بيده تدبير وتصرف, وليس موصوف بالكلام الذي هو صفة كمال.

يقول ابن القيم معلقا على هذه الآية:"فجعل امتناع صفة الكلام والتكليم، وعدم ملك الضر والنفع دليل عدم الإلهية، وهذا دليل عقلي سمعي على أن الإله لابد أن يكلم ويتكلم، ويملك لعابده الضر والنفع، وإلا لم يكن إلها" [4] .

(1) التعريفات للجرجاني: 155

(2) انظر: القواعد المثلى لابن عثيمين: 53

(3) التدمرية ضمن مجموع الفتاوى:3/ 88, وانظر: شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز الحنفي: 96

(4) الصواعق المرسلة لابن القيم: 3/ 914

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت