يقول ابن تيمية رحمه الله تعالى مقررًا ذلك:"أن العلم الإلهي لا يجوز أن يستدل فيه بقياس تمثيلي يستوى فيه الأصل والفرع, ولا بقياس شمولي تستوى فيه أفراده؛ فإن الله سبحانه ليس كمثله شيء, فلا يجوز أن يمثَّل بغيره, ولا يجوز أن يدخل هو وغيره تحت قضية كلية تستوي أفرادها, ولهذا لما سلك طوائف من المتفلسفة والمتكلمة مثل هذه الأقيسة في المطالب الإلهية, لم يصلوا بها إلى اليقين, بل تناقضت أدلتهم وغلب عليهم بعد التناهي الحيرة والاضطراب لما يرونه من فساد أدلتهم أو تكافئها, ولكن يستعمل في ذلك قياس الأولى سواء كان تمثيلًا أو شمولًا, كما قال تعالى: {وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى} [سورة النحل:60] مثل أن يعلم أن كل كمال ثبت للممكن أو المحدث لا نقص فيه بوجه من الوجوه- وهو ما كان كمالا للموجود غير مستلزم للعدم-؛ فالواجب القديم أولى به, وكل كمال لا نقص فيه بوجه من الوجوه ثبت؛ فالممكن المحدث بها أحق ونحو ذلك, ومثل هذه الطرق هي التي كان يستعملها السلف والأئمة في مثل هذه المطالب, كما استعمل نحوها الإمام أحمد, ومن قبله وبعده من أئمة أهل الإسلام, وبمثل ذلك جاء القرآن في تقرير أصول الدين في مسائل التوحيد والصفات والمعاد ونحو ذلك" [1] .
ويقول ابن القيم رحمه الله:"كل كمال ثبت للمخلوق غير مستلزم للنقص فخالقه ومعطيه إياه أحق بالاتصاف به, وكل نقص في المخلوق فالخالق أحق بالتنزه عنه كالكذب والظلم والسفه والعيب, بل يجب تنزيه الرب تعالى عن النقائص والعيوب مطلقًا, وإن لم يتنزه عنها بعض المخلوقين" [2] .
وهذا القياس هو من أنفع الأدلة العقلية وأبينها, وهناك ضوابط تحكم هذا الدليل وتضبطه, وإن كانت وردت في ثنايا الكلام, لكن أذكرها هنا لجمعها وتوضيحها, وهي:
1/ أن يكون الكمال ممكن الوجود.
2/ أن يكون سليما عن النقص؛ فإن النقص ممتنع على الله [3] .
وبعد هذا يتبين هذا الدليل ومعناه وضوابطه, فإذا استخدم على هذا الوجه, فهو من الأدلة العقلية التي يمكن الاستدلال بها على المطالب الإلهية.
جاءت أدلة كثيرة تثبت هذا القياس وتدل عليه, ومن ذلك:
1/قوله تعالى: {لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [النحل:60] .
(1) درء التعارض: 1/ 29 - 30, وانظر: 7/ 322، 7/ 362
(2) مفتاح دار السعادة لابن القيم:2/ 76
(3) انظر: مجموع الفتاوى لابن تيمية: 6/ 85