2/قوله تعالى: {وَلَهُ الْمَثَلُ الأَعْلَى فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [الروم: 27] .
يقول ابن القيم - رحمه الله - موضحًا معنى هاتين الآيتين:"فجعل مثل السوء المتضمن للعيوب والنقائص وسلب الكمال للمشركين وأربابهم, وأخبر أن"المثل الأعلى"المتضمن لإثبات الكمالات كلها له وحده, ولهذا كان المثل الأعلى -وهو أفعل تفضيل- أي أعلى من غيره" [1] .
ويقول السعدي - رحمه الله-معلقا على هذه الآية-:"وهو كل صفة كمال، وكل كمال في الوجود فالله أحق به، من غير أن يستلزم ذلك نقصا بوجه، وله المثل الأعلى في قلوب أوليائه وهو التعظيم والإجلال والمحبة والإنابة والمعرفة" [2] .
وكثيرًا ما يرد في كتاب الله تعالى استخدام مثل هذا الدليل العقلي, إما لإثبات البعث والمعاد, كقوله تعالى: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ قَادِرٌ عَلَى أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا لاَّ رَيْبَ فِيهِ فَأَبَى الظَّالِمُونَ إَلاَّ كُفُورًا} [الإسراء: 99] . وقوله: {لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [غافر: 57] .
أو استدل به الله تعالى على النشأة الأولى كما في قوله تعالى: {وَهوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [الروم: 27] .
وكما جاء في القرآن استخدامه واستعماله, فقد جاء في السنة، كما في الحديث الذي مر معنا حديث أبي زرين العقيلي [3] حين سأل النبي ' عن الرؤية فضرب له الرسول مثلًا بذلك في القمر ثم قال له النبي '"فالله أعظم" [4] , أي إذا أمكن رؤية القمر كل واحد على حدة, فرؤية الله مخليًا به من باب أولى.
والأدلة كثيرة والأمثلة متضافرة على مثل هذا النوع من الكتاب والسنة.
ولكثرة وروده فقد استعمله السلف - رضوان الله عليهم - ومن هؤلاء: الإمام أحمد رحمه الله في كتابه (الرد على الزنادقة والجهمية) في مواضع عديدة ومنها:
أنه لما أراد أن يبين كيف الجمع بين إثبات صفة العلو والمعية لله تعالى قال:"ومن الاعتبارفي ذلك (أي العقل والنظر) لو أن رجلًا كان في يديه قدح من قوارير صاف وفيه شراب صاف كان بصر ابن آدم قد أحاط بالقدح من غير أن يكون ابن آدم القدح, فالله - وله المثل الأعلى - قد أحاط بجميع خلقه من غير أن يكون في شيء من خلقه، وخصلة أخرى: لو أن رجلًا بنى دارًا بجميع"
(1) الصواعق المرسلة لابن القيم: 3/ 1030
(2) تيسير الكريم الرحمن للسعدي: 443
(3) ص:15
(4) مر تخريجه: ص 8