ومما وقع فيه التدافع أيضا -حسب زعمهم - قول النبي صلى الله علىه وسلم: الرؤيا على رجل طائر، مالم تعبر، فإذا عبرت وقعت. [1]
إذا قالوا: كيف تكون الرؤيا على رجل طائر؟ وكيف تتأخر عما تبشر به أو تنذر منه، بتأخر العبارة لها، وتقع إذا عبرت؟ وهذا يدل على انها إن لم تعبر، لم تقع.
قال ابن قتيبة: ونحن نقول: ان هذا الكلام خرج مخرج كلام العرب وهم يقولون للشئ، إذا ام يستقر"هو على رجل طائر وبين مخاليب طائر وعلى قرن ظبيى."
يريدون: أنه لا يطمئن ولا يقف:
قال رجل في الحجاج بن يوسف:
كأن فؤادى بين أظفار طائر ... من الخوف في جو السماء متحلق
حذار امرى قد كنت أعلم أنه ... متى ما يعد من نفسه الشر يصدق
وقال المرار، يذكر فلاة تنزو من مخافتها قلوب الأدلاء:
كأن قلوب أولائها ... معلقة بقرون الظباء. [2]
يريد انه ينزو تجب فكأنها معلقة بقرون الظباء، لأن الظباء لا تستقر، وما كان على قرونها، فهو كذلك:
وقال امرؤ القيس: ... ولا مثل يوم في قدار ظللته ... كأنى وأصحابى على قرن أعفرا
يريد أن لا نستقروا ولا نطمئن. فكأنا على قرنى ظبى، وكذلك الرؤيا على رجل طائر مالم تعبر -يريد أنها تجول في الهواء حتى تعبر فإذا عبرت وقعت.
ولم يرد أن كل من عبرها من الناس وقعت كما عبر، وإنما اراد بذلك بما، المصيب الموفق.
وكيف يكون الجاهل المخطئ في عباراتها، لها عابرا، وهو لم يقارب؟ وأنما يكون عابرا لها إذا أصاب. [3]
يقول الله عز وجل"إن كنتم للرؤيا تعبرون"يريد أن كنتم تعلمون عبارتها. ولا أراد أن كل رؤيا تعبر وتتأول لأن أكثرها أضغاث أحلام.
(1) تأويل مختلف الحديث: ص 322
(2) تأويل مختلف الحديث: ص 322
(3) تأويل مختلف الحديث: ص 323