لقد كان سلوك ابن قتيبة مسلك تفسير الحديث بالحديث طابقا بارزا في كتابه"تأويل مختلف الحديث"يدلك على ذلك كثرة المواضع التى كان يسوق فيها الحديث قصر الإبانة عن التوجيه لحقيقى للحديث، وبالتالى يوضع للطاغين مواطن الزلل التى وقعوا فيها لعلهم يرجعون.
فمن ذلك ما صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال:"أن الشمس والقمر ثوران مكوران في النار يوم القيامة. فقال الحسن وما ذنبهما؟ قال أنى أحدثك عن رسول الله. فكست."
قال طاعنون: قد صدق الحسن {ما ذنبهما}
وقد انبرى ابن قتيبة للرد على ذلك فقال"ونحن نقول: إن الشمس والقمر لم يعذبا بالنار حين أدخلاها، فيقال ماذنبهما ولكنهما خلقا منها ثم ردا إليها."
وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الشمس حين غربت- في نار الله الخامتة- لولا ما يزعها من أمر الله تعالى لأهلكت ما على الأرض.
وقال: ما ترتفع في السماء قصمة إلا فتح لها باب من أبواب النار، فإذا قامت الظهرة فتحت الأبواب كلها.
وهذا يدلك على أن شدة وهامه قوم جهنم، ولذلك قال: أبردوا بالصلاة فإن شدة الحر من فوح جهنم. فما كان من النار ثم رد إليها لم يقل إنه يعذب.
وما كان من المسخر المقصود على فعل واحد، كالنار الفلك المسخر الدوار والبحر المسجور وأصحاب ذلك لا يقع به تعذيب ولا يكون له ثواب [1] .
وأدعى طائفة من المتكلمين أن بين قول النبى عليه الصلاة والسلام مثل أشى، مثل المطر لا يدرى أوله خير أم أخره. وبين قوله صلى الله عليه وسلم إن الإسلام بدأ غريبا، وسيعود غريبا"قوله أيضا"خير أمتى القرن الذى بعثت فيه"تناقضا واختلافا."
وقد تولى ابن قتيبة ومضى هذا الأدعاء والكشف عن غلط المتكلمين في فهم هذه الأحاديث، فقال: ونحن نقول: إنه ليس في ذلك تناقض ولا اختلاف، لأنه أراد بقوله: إن الإسلام
(1) تأويل مختلف الحديث ص 95.