الصفحة 52 من 70

ويدلك على ذلك، قوله في حديث آخر: أنها خلقت من أعنان الشياطين"يريد من جوانبها ونواحيها"كما يقال بلغ فلان أعنان السماء، أى نواحيها وجوانبها.

ولو كانت من نسلها لقال خلفت من نسلها أو بطونها أو أحلابها وما شبه هذا [1] .

ومما أدى بعض المتفقهة فيه التعارض أيضا قولهم رويتم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال"ليؤمكم خياركم فإنهم وفدكم إلى الجنة، وصلاتكم قربانكم، ولا تقدموا بين أيدكم إلا خياركم"

ثم رويتم: صلوا خلف كل بر وفاجر، ولا بد من أمام بر وفاجر

قالوا وهذا تناقض وأختلاف.

والحق أن هذا التعارض المدعى بين النصين، لا يستقيم مجال، إذ لكم حديث موضع، فإذا وضع كل واحد منها في موضعه، زال وأندفع هذا الاختلاف المزعوم.

وبيان ذلك- كما قال ابن قتيبة: إن قوله صلى الله عليه وسلم: ليؤمكم خياركم فإنهم وفدكم إلى الجنة ولا تقوموا بين أديكم الإ خياركم. أراد ائمة المساجد في القبائل والمحال، وأن لا تقدموا منهم إلا الخير النقى القارئ ولا تقدموا الفاجر الأمى.

وأما قوله: صلوا خلف كل بر وفاجر ولابد من أمام برا وفاجر فإنه يريد السلطان الذ يجمع الناس ويؤمهم إلى الجمع والأعياد يريد لا تخرجوا عليه، ولا تشقوا العصا، ولا تفارقوا جماعة المسلمين، وإن كان سلطانكم فاجرا، فإنه لابد من أمام برا أو فاجر ولا يصلح الناس إلا على ذلك ولا ينتظم أمرهم.

وهل مثل قول الحسن: لابد للناس من وزعة، يعنى سلطان يزعمهم عن النظام والباطل، وسفك الدماء وأخذ الأموال بغير حق [2] .

ومن صور اعتراضات هؤلاء المتكلمين المتهافته أيضا ما قالوا عن قوله صلى الله عليه وسلم: لو جعل القرآن في إرهاب ثم ألقى في النار ما احترق"فقد قالوا هذا خبلا نشك في بطلانه لأن قد نرى المصاحف تحترق وينالها ما ينال غيرها من العروض والكتب."

وهذا العمرى اعتراض متهافت ماله من الوجاهة من نصيب فإنه لهذا النص تأويلا، ذهب عليهم ولم يعرفوه ولم توجها، ففى عليهم لوم يتبينوه، وقد تولى بيان ذلك أمام أهل السنة فال وأنا مبينه إن شاء الله.

(1) تأويل مختلف الحديث ص 124.

(2) تأويل مختلف الحديث ص 187

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت