الصفحة 38 من 51

منعوا من المسح عليها ضيقوا تضييقًا يظهر خلافه للشريعة بلا حجة معهم أصلًا. أهـ. كلامه عليه رحمة الله ورضوانه.

لا يخفى أن الرخص المأثورة عن النبي صلى الله عليه وسلم هي نعمة عظمى في كل حال وعلى أي حال، وإنما يظهر تمام نعمة تشريعها في بعض الأحوال مثل رخصة المسح على الجوربين في أيام البرد وأوقات السفر وحالات المرض أو تشقق القدم أو قشف الرجلين أو تورمهما مما يعرض، كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم السرية الذين شكوا إليه ما أصابهم من البرد أن يمسحوا على العصائب والتساخين كما قدمنا، وقال من صحب عكرمة رضي الله عنه إلى واسط [1] ما رأيته غسل رجليه، إنما يمسح عليهما حتى خرج منها: رواه ابن جرير في تفسيره.

وتقدم عن البدائع للقاساني أن أبا حنيفة رضي الله عنه رجع إلى قول أبي يوسف ومحمد في المسح على الجوربين في آخر عمره، وذلك أنه مسح على جوربيه في مرضه ثم قال لعوّاده: (فعلت ما كنت أنهى الناس عنه) فاستدلوا به على رجوعه. أهـ. ورجوع أبي حنيفة رضي الله عنه من فضله وإنصافه. وللمجتهدين من تغير الاجتهاد، والرجوع إلى ما فيه قوة وسداد، ما عرف عنهم أجمعين وعد من مناقبهم. ومن أكبر العبر - في هذه القصة - قصة رجوع الإمام أبي حنيفة - أن يرجع إمام ويصرح برجوعه، ويأبى الدّ الخصوم الرجوع إلى الحق ولو تلي عليه من البراهين ما يلين له الحديد، ويصدع الجلاميد. ولا غرو فالأئمة المجتهدون لهم من اللطف والكمال ومحاسن الأخلاق والإنصاف والاعتراف بالحق ما سارت به الركبان.

وليعتبر أيضًا بالإمام الشافعي لما رحل من العراق إلى مصر وأعاد البحث في مذهبه القديم كيف رجع عن كثير من مسائله، وعد ذلك من أسمى فضائله، وسبب ذلك التقوى

(1) 2 أي في سفره إليها، فتأمل ترخصه هذا في سفره. والسفر محل الرخص، واعجب من فقهه وعلمه رضي الله عنه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت