الصفحة 39 من 51

، وإيثار الأخرى، فإنها تزع المتقي عن إيثار الهوى والدنيا. وهكذا فعل الإمام أبو حنيفة في رجوعه إلى القول بالمسح على الجوربين.

وقد يظن قوم أن التشدد في العزائم ومجافاة الرخص من التقوى، وحاشا الله، كيف وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: لا تشددوا على أنفسكم فيشدد الله عليكم، فإن قومًا شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم، فتلك بقاياهم في الصوامع والديار (وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ) (الحديد: من الآية 27) [1] وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله تعالى يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه) [2] وعنه صلى الله عليه وسلم: (إن الله تعالى يحب أن تقبل رخصه كما يحب العبد مغفرة ربه) [3] ، وقال صلى الله عليه وسلم: (إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يكره أن تؤتى معصيته) [4] ، وقال صلى الله عليه وسلم: (هلك المتنطعون) [5] .

نعم يوجد من خيار العباد، ذوي الجد والاجتهاد، من لا يأخذون إلا بالعزائم، لا زهدًا في المأثور، ولا رغبة في عن المرخص فيه المبرور، بل تربية للنفس على الأفضل، وأخذًا بها إلى الأمثل والأكمل، وهو ما يسميه الفقهاء بالاحتياط، والخروج من الخلاف، إيثارًا لما يكون فيه إجماع وائتلاف. وأصله ما صح في السنة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقوم الليل حتى ترم قدماه، فقيل له: أتتكلف هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فيقول: (أفلا أكون عبدًا شكورًا) ؟.

جعلنا الله من عباده الشاكرين، وفقهنا في الدين، وحشرنا مع الذين أنعم عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، والحمد لله رب العالمين.

(1) 1 رواه أبو داود عن أنس رضي الله عنه. جمال الدين.

(2) 2 رواه الإمام أحمد عن ابن عمر، والطبراني عن ابن عباس وابن مسعود. جمال الدين. قلت وهو حديث صحيح مخرج في (إرواء الغليل) (557) .

(3) 3 رواه الطبراني عن أبي الدرداء وواثلة وأبي أمامة وأنس. جمال الدين. قلت: وإسناده ضعيف كما هو مبين في المصدر السابق، وفي (الأحاديث الضعيفة) أيضًا (508) .

(4) 4 رواه الإمام أحمد وابن حبان والبيهقي عن ابن عمر. جمال الدين. قلت: وهو مخرج في المصدر السابق، وفي (تخريج الطحاوية) (218) .

(5) 5 رواه الإمام مسلم عن ابن مسعود. جمال الدين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت