الصفحة 35 من 51

(مسح صلى الله عليه وسلم على الجوربين والنعلين) يدل على أنهما كانا غير منعولين، لأنه لو كانا كذلك لم يذكر النعلين لأنه لا يقال: مسح على الخف ونعله [1] . أهـ.

قال رحمه الله في (بداية المجتهد) : واختلفوا في المسح على الجوربين. وسبب اختلافهم اختلافُهم في صحة الآثار الواردة عنه عليه الصلاة والسلام أنه مسح على الجوربين والنعلين، واختلافهم أيضًا هل يقاس على الخف غيره أم هي عبادة لا يقاس عليها ولا يتعدى بها محلها. فمن لم يصح عنده الحديث أو لم يبلغه ولم ير القياس على الخف قصر المسح عليه، ومن صح عنده الأثر وجواز القياس على الخف أجاز المسح على الجوربين. أهـ.

عادة ابن رشد في كتابه المذكور إيضاح مدارك المجتهدين، إلا أن كل مسألة تعددت فيها المدارك وتشعبت عنها الأقوال فالحق في واحد منها قطعًا، وهو ما صح برهانه، وقوي مدركه. وقد صح البرهان هنا في المسح على الجوربين، وقوي مدركه بما نقلناه قبل وننقله بعد، ولذا قال الإمام النووي في حديث صوم ست من شوال في مسلم في رده على الإمام مالك في كراهتها ما مثاله: إذا ثبتت السنة لا تترك لترك بعض الناس أو أكثرهم أو كلهم لها. أهـ. وهكذا يقال في المسح على الجوربين لا يترك بعد ثبوته لخلاف من خالف ولقياس من قاس، لأنه لا اجتهاد في مقابلة نص، ونبرأ إلى الله من دفع النصوص بالأقيسة والآراء.

قال الإمام ابن القيم [2] من لم يقف مع النصوص فإنه تارة يزيد في النص ما ليس منه ويقول: هذا قياس، ومرة ينقص منه بعض ما يقتضيه ويخرجه عن حكمه ويقول: هذا تخصيص، ومرة يترك النص جملة ويقول: ليس العمل عليه، أو يقول: هذا خلاف القياس أو خلاف الأصول. ثم قال: ونحن نرى أنه كلما اشتد توغل الرجل في القياس اشتدت مخالفته للسنن، ولا نرى خلاف السنن والآثار إلا عند أصحاب الرأي والقياس، فلله كم من سنة صحيحة صريحة قد عطلت به، وكم من أثر درس حكمه بسببه، فالسنن والآثار عند الآرائيين والقياسيين خاوية على عروشها معطلة أحكامها معزولة عن سلطانها وولايتها، لها الاسم ولغيرها الحكم، وإلا فلماذا ترك حديث المسح على الجوربين (إلى آخر ما قاله

(1) 5 وقد أفتى أستاذنا الشيخ جميل الشطي، وهو آخر من تولى الإفتاء من الحنابلة في بلاد الشام. بجواز المسح على الجوارب المستعملة الآن. وقد نشرها في المجلات والجرائد (زهير) .

(2) 1 أعلام الموقعين جزء 1 صفحة 299.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت