قلت: وإذا عرفت هذا، فلا يجوز التردد في قبول هذه الرخصة بعد ثبوت الحديث بها، لأنه كما قال المؤلف فيما سبق: (وقد صح الحديث فليس إلا السمع والطاعة) . لا سيما بعد جريان عمل الصحابة بها، وفي مقدمتهم الخليفة الراشد علي بن أبي طالب رضي الله عنه، كما تقدم وهو مما ذهب إليه بعض الأئمة من السلف الصالح رضي الله عنهم أجمعين. فقد قال ابن حزم رحمه الله تعالى في (المحلى) (2/ 103) : (مسألة: فإن كان الخفان مقطوعين تحت الكعبين، فالمسح جائز عليهما، وهو قول الأوزاعي، وروي عنه أنه قال: يمسح المحرم على الخفين المقطوعين تحت الكعبين ... وقال غيره: لا يمسح عليهما إلا أن يكونا فوق الكعبين) .
وأما المسح على الخف أو الجورب المخرق، فقد اختلفوا فيه اختلافًا كثيرًا، فأكثرهم يمنع منه على خلاف طويل بينهم، تراه في مبسوطات الكتب الفقهية، و (المحلى) . وذهب غيرهم إلى الجواز، وهو الذي نختاره. وحجتنا في ذلك أن الأصل الإباحة، فمن منع واشترط السلامة من الخرق أو وضع له حدًا، فهو مردود لقوله صلى الله عليه وسلم: (كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل) متفق عليه. وأيضًا فقد صح عن الثوري أنه قال: (امسح عليها ما تعلقت به رجلك، وهل كانت خفاف المهاجرين والأنصار إلا مخرقة، مشققة، مرقعة؟) . أخرجه عبد الرزاق في (المصنف) (753) ومن طريقه البيهقي (1/ 283) .
وقال ابن حزم (2/ 100) : (فإن كان في الخفين أو فيما لبس على الرجلين خرق صغير أو كبير طولًا أو عرضًا فظهر منه شيء من القدم، أقل القدم أو أكثرهما أو كلاهما، فكل ذلك سواء، والمسح على كل ذلك جائز، ما دام يتعلق بالرجلين منهما شيء، وهو قول سفيان الثوري، وداود، وأبي ثور، وإسحاق ابن راهويه، ويزيد بن هارون) .
ثم حكى أقوال العلماء المانعين منه على ما بينها من اختلاف وتعارض ثم رد عليها، وبين أنها مما لا دليل عليها سوى الرأي وختم ذلك بقوله: (لكن الحق في ذلك ما جاءت به السنة المبينة للقرآن من أن حكم القدمين اللتين ليس عليهما شيء ملبوس يمسح عليه أن يغسلا، وحكمهما إذا كان عليهما شيء ملبوس أن يمسح على ذلك الشيء. بهذا جاءت السنة(وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا) (مريم: من الآية 64) ، وقد علم رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ