إرشادًا للمتقين، وذلك لأن الصحابة رضوان الله عليهم في المقام الأسنى والمحل الأعلى في كل علم وعمل، وفضل ونبل.
قال الإمام ابن القيم رحمه الله في (إعلام الموقعين) : كما أن الصحابة سادة الأمة وأئمتها وقادتها فهم سادات المفتين والعلماء، قال مجاهد: العلماء أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم. ونقل رحمه الله عن الشافعي أنه قال في الصحابة: هم فوقنا في كل علم واجتهاد وورع وعقل وأمر استدرك به علم، وآراؤهم لنا أحمد وأولى بنا من رأينا .. الخ.
إذا علمت هذا تبين لك أن ما جاء في (جمع الجوامع) للسبكي من أن في تقليد الصحابي قولين، أحدهما المنع لارتفاع الثقة بمذهبه إذ لم يدون، وعزو شارحه ذلك لإمام الحرمين الجويني والمحققين (يعني مقلدة الجويني وأتباعه) كلام مجمل لا يغتر بظاهره، ويؤخذ من كلام غير واحد من الأئمة رده. بل السبكي نفسه رد ذلك وقال - كما نقله عنه الزركشي وتراه في حواشيه: إن تحقق ثبوت مذهبه (أي الصحابي) جاز تقليده اتفاقًا.
وقد سئل العز بن عبد السلام [1] عمن صح عنده مذهب أبي بكر أو غيره من علماء الصحابة في شيء فهل يعدل إلى غيره أم لا؟ فأجاب بأنه إذا صح عن أحد الصحابة مذهب في حكم من الأحكام فلا يجوز العدول عنه إلا بدليل أوضح من دليله. قال: ولا يجب على المجتهدين تقليد الصحابة في مسائل الخلاف بل لا يحل ذلك في وضوح أدلتهم على أدلة الصحابة. أهـ.
وقال ابن تيمية في بعض فتاويه: وأما أقوال الصحابة فإن اتنشرت ولم تنكر في زمانهم فهي حجة عند جماهير العلماء، وإن تنازعوا رُدَّ ما تنازعوا فيه إلى الله والرسول، ولم يكن قول بعضهم حجة مع مخالفة بعضهم له باتفاق العلماء. وإن قال بعضهم قولًا ولم يقل بعضهم بخلافه ولم ينتشر فهذا فيه نزاع، وجمهور العلماء يحتجون به كأبي حنيفة ومالك وأحمد في المشهور عنه والشافعي في أحد قوليه. أهـ.
والنصوص في العناية بأقوال الصحابة أوفر من أن تحصر، نقول هذا تمهيدا للأقوال المأثورة في المسح على الجوربين في كتاب السنن لأبي داود وغيره فإنها حجة في هذا الباب على كل من خالف كيفما كان حالها، لأنها - على ما فصله ابن تيمية وقرره الأصوليون - إما منتشرة غير منكورة، وما كان كذلك فهو حجة باتفاق، وإما أنها قال بها بعضهم ولم ينتشر ما يخالفه والجمهور يحتجون بذلك. وقد علم أنه ليس ثم مخالف فينتشر قوله إذ لم
(1) 1 شرح خليل للحطاب جزء (1) ص 31.