توضأ ومسح على الجوربين والنعلين وصلى بالناس الجمعة. وعن أبي وائل عن أبي مسعود أنه مسح على جوربين له من شعر. وعن يحي البكاء قال: سمعت ابن عمر يقول: المسح على الجوربين كالمسح على الخفين [1] .
ما رُوي عن أعلام الصحابة رضوان الله عليهم ومن بعدهم من جواز المسح على الجوربين وإن كانا رقيقين
قال الإمام النووي في شرح المهذّب: وحكى أصحابنا (الشافعية) عن عمر وعلي رضي الله عنهما جواز المسح على الجورب وإن كان رقيقًا. وحكوه عن أبي يوسف، ومحمد، وإسحاق، وداود، ثم قال النووي: واحتج من أباحه - وإن كان رقيقًا - بحديث المغيرة أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح على جوربيه ونعليه. وعن أبي موسى مثله مرفوعًا. انتهى كلامه، وفيه من الزيادة عن ما قبله التصريح بالجواز عنهم ولو كان رقيقًا، وإن كان يفهم ذلك من إطلاق المأثور قبل، لأن الأصل في المطلق حمله على مطلقه حتى يرد ما يقيده، كما أن العام له حكمه حتى يخصصه دليل. وسيأتي إيضاح ذلك مما قاله الإمام ابن حزم عليه الرحمة والرضوان.
بيان أن أقوال الصحابة وفتاويهم أولى بالأخذ من غيرها والرد على من زعم رفع ثقته بالمأثور عنهم
هذا بحث عظيم يجب على كل من شدا طرفًا من العلم أن يلقي السمع إليه، ذلك لأن كثيرًا من الناس إذا ذكر له مذهب صحابي في مسألة ما تراه لا يرفع له رأسًا، اتكاء على أنه ليس ممن لقن العمل به، وربما تطاول فقال: إنه ليس له ممن دوّن مذهبه. ولما كان هذا مما لا يستهان به في الدين، إذ مثل هذا القول منكر عند الراسخين، وجب إزاحة اللبس فيه
(1) 4 قلت: هذه الآثار أخرجها عبد الرزاق في (المصنف) (رقم 745 - 773 - 779 - 781 - 782) وابن أبي شيبة أيضًا في (المصنف) (1/ 188) والبيهقي (1/ 285) وكثير من أسانيدها صحيح عنهم. وبعضهم له أكثر من طريق واحد، ومن ذلك طريق قتادة عن أنس أنه كان يمسح على الجوربين مثل الخفين. وسنده صحيح. رواه عبد الرزاق (779) ، وهو عند ابن ابي شيبة (1/ 188) مختصرًا. وعندهما من طريق يحي البكاء قال: سمعت ابن عمر يقول: المسح على الجوربين كالمسح على الخفين. وتلقي نافع ذلك عنه فقال: هما بمنزلة الخفين. أخرجه ابن أبي شيبة بسند حسن عنه وكذلك قال إبراهيم النخعي أخرجه بسند صحيح عنه.
قلت: فبعد ثبوت المسح على الجوربين عن الصحابة رضي الله عنهم: أفلا يجوز لنا أن نقول فيمن رغب عنه ما قاله إبراهيم هذا في مسحهم على الخفين: (فمن ترك ذلك رغبة عنه، فإنما هو من الشيطان) . رواه ابن أبي شيبة (1/ 180) بإسناد صحيح عنه.