الصفحة 30 من 51

يرد عنهم فيه إلا رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم أو عملهم به علة ما عرفت من روايات متعددة. ومن الجلي في باب الأحكام أن حكمًا بلغ عدد رواته والقائلين به والعاملين به ستة عشر لو كانوا من طبقة غير الصحابة لما توقف في قبوله، فكيف وكلهم من طبقة الصحابة عليهم رحمة الله ورضوانه.

هذا كله على فرض أنه لم يرو في الباب - أي باب المسح على الجوربين - إلا قولهم فقط، وإلا فقد قدمنا ما روي فيه من الأحاديث التي هي الحجة في هذا الباب والمردُّ عند التنازع (وإذا جاء نهر الله بطل نهر معقل) . وإنما هذه الجملة ينبغي أن ينتبه لها الذين لا يأبون إلا التقليد ليعلموا أن من آثر التقليد فالأحرى به تقليد الصحابة لأنهم الأعلم، وأجمع الأصوليون على أنه يقدم - في باب التقليد - الأعلم. قال ابن القيم في أعلام الموقعين: فلا يدرى ما عذر المقلد في ترجيح أقوال غير الصحابة على أقوالهم، فكيف إذا منع الأخذ بقول الصحابة، فكيف إذا صار يرمى بالابتداع من عمل بها؟! لا جرم أنه أخذ بالمثل المشهور: رمتني بدائها وانسلت. أهـ.

وأما شبهة عدم الوثوق بما يؤثر مذهبًا للصحابة إذ لم يدون مذهبهم، فأوهى من بيت العنكبوت لأن كلامنا فيما نقل عنهم في الكتب الموثوق بها المتداولة في الأيدي من كتب السنة والفقه لا سيما الصحيحان وكتب السنن، فقد حفظت من الزيادة والنقص بقوة العناية بها شرحًا وضبطًا ووفرة النسخ المخطوطة المعلم عليها بسماعات الحفاظ في معظم المكتبات مما لا يوجد نظيره في كتب أئمة الفقه المشهورة مذاهبهم. ولا ريب أن ذلك من معجزات الرسول صلى الله عليه وسلم إذ قيض الله لسنته من حفظها كما فعل ذلك بتنزيله الكريم، وله الحمد والمنة.

على أن المعول عليه منذ انتشر التأليف والتصنيف هو النقل عن الموجود الذي تثق به النفس - سواء كان مقابلًا كله على أصله أو لا- ما دام يغلب على الظن صحته ويطمئن له القلب، وهو المسمى بالوجادة. ولذا اعترض الإمام المقبلي في (العلم الشامخ) على تصريحهم بعدم اعتماد الوجادة بأن هذا يناقضه، إذ هو - أي قولهم المذكور - وجادة ليس إلا. قال: وأما الوثوق فهو شرط في كل طريق. أهـ.

بل على الوجادة المذكورة اعتماد القضاة والمفتين والمستنبطين، إذ يتعذر إسناد كل كتاب إلى مؤلفه وضبطه عنه بالسماع والقراءة في كل الطبقات، على أن كتب الحديث وجد فيها من الضبط والتلقي والشرح لها وتعداد نسخها المصححة تفاخرًا بقراءتها وتشرفًا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت