كَتَب عليهم في التوراة أن النفس بالنفس، وإيجاب الحكم في القصاص في العيون وما بعدها بين المسلمين بالآية [1] .
وبهذا يتبين أن في معرفة الوقف والابتداء تفريقًا بين المعاني، فينبغي لقارئ القرآن إذا قرأه أن يتفهم ما يقرأ، ويُشغِل قلبَه به، ويتفقد القطع والائتناف، ويحرص على أن يُفهِم المستمعين ما يقرأ؛ بحيث يكون وقفه عند كلام مستغن عما بعده، أو شبيه به، وأن يكون ابتداؤه حسنًا. فطالب العلم محتاج أن يعرِف أين يقطع قراءته، وكيف يأتنف؛ لأن من الوقف ما هو واضح مفهوم معناه، ومنه ما هو مشكل لا يُعرَف إلا بسماع، أو علم بالتأويل، ومنه ما يعلمه أهل العلم بالعربية واللغة [2] . فكان بهذا معتمِدًا على ما ارتضاه المتقنون من أهل العربية، وتأوله المحققون من الأئمة، فليس كل ما يتعسفه بعض المعربين، أو يتكلفه أحد المقرئين، أو يتأوله محرف من أهل الأهواء المخطئين يُعتَمد عليه؛ كأن يوقف على نحو قوله تعالى: (وإذ قال لقمان لابنه وهو يعظه يا بني لا تشرك) [3] ، ثم يبتدئ: (بالله إن الشرك لظلم عظيم) على معنى القسم، وكالوقف على: (وارحمنا أنت) [4] ، ثم يبتدئ: (مولانا فانصرنا) على معنى النداء. فكل هذا وما أشبهه تمحل، وإخراج للتنزيل عن المعنى المراد به، فهو تحريف يبطله إجماع المصاحف على أنه كلمة واحدة، فعلى طالب العلم أن يحذر من هذا التحريف، وأن يراعي ما نص عليه أئمة هذا الشأن؛ مهتمًا بتفهم معاني التنزيل، فهو خير له من اتباع الأهواء [5] . أما من لم يهتم بذلك فقد يصل بين المعنيين المختلفين، وقد يقف قبل تمام المعنى، وإن اضطر لذلك فقد لا يصل إلى ما وقف عليه بما بعده حتى ينتهي
(1) انظر: القطع 96، والكشف 1/ 409، والبرهان 1/ 349.
(2) انظر: القطع 97، 98.
(3) لقمان، من الآية 13.
(4) البقرة، من الآية 286.
(5) انظر: النشر 1/ 323، 324، ولطائف الإشارات 1/ 263، 264.